قال تعالى: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} (31) سورة محمد
أمَرَ اللهُ تَعَالى العِبَادَ بالإِيمَانِ وَبالجِهَادِ ، وَبالأخْذِ بِمَا أمَرَهُمْ بِهِ ، وَبالانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ ، لِيَخْتَبِرَهُمْ وَيَكْشِفَ حَقِيقَتَهُم ، فَيَظْهَرَ المُجَاهِدُونَ ، الصَّابِرُونَ ، وَالمُؤْمِنُونَ المُخْلِصُونَ ، والمُسْتَسْلِمُونَ للهِ وَأمْرِهِ وَقَدَرِهِ ، وَيَظْهَرَ المُتَشَكِّكُونَ النَّاكِلُونَ عَنِ الجِهَادِ ، وَعَنِ القِيَامِ بِمَا أمَرَ اللهُ بهِ .
فقوله تعالى: « وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ » ـ هو خبر مؤكد من اللّه سبحانه وتعالى إلى المؤمنين بأنهم لم يتركوا هكذا ، يتحلون بحلية الإيمان ، وينزلون منازل المؤمنين دون أن يوضعوا موضع الامتحان والابتلاء .. فهذا الامتحان هو الذي يكشف عن حقيقة الإيمان في قلوب المؤمنين ، وهل هو إيمان صادق ، انشرح به الصدر ، واطمأن به القلب ، أم هو مجرد صورة من الشارات والمراسم .. ؟
« أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ » (2: العنكبوت) وقوله تعالى: « حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ » ..حتى غاية لهذا الامتحان أو الابتلاء .. بمعنى أنكم أيها المؤمنون واقعون ـ لا محالة ـ في مواقع ابتلاء ، وأنكم لن تتركوا حتى تدخلوا في هذا الابتلاء ، وتتجرعوا كؤوسه المرّة ، فإن صمدتم في هذا الابتلاء ، وصبرتم على ما تلقون من بأساء وضراء ، فقد أثبتم أنكم مؤمنون .. وهذا حسبكم من إيمانكم.
وقدم الجهاد على الصبر ، لأنه أعم منه .. فقد يكون في المجاهدين من لا صبر له على الجهاد ، فلا يثبت للأعداء إذا رأى الخطر محدقا به ، ولا يقدم على القتال والهجوم إذا رأى الموت دانيا منه .. إنه مجاهد في حواشى المجاهدين ،وفى مؤخرتهم .. ومع هذا فلا يحرم أن يدخل تحت هذه الكلمة ، التي تخلع على صاحبها خلعا سنية ، من الرضا والرضوان .. وفى هذا دليل على شرف الجهاد ، وعلى علوّ منزلة المجاهدين ، وأن أقلهم في الجهاد منزلة ، وأبخسهم في المجاهدين حظا ـ هو من المجاهدين ، الذين لا يحرمون شرف الجند ، وثواب المجاهدين ..
أما الجهاد الذي يكون معه الصبر ، فهو الجهاد الكامل ، الذي تم عقده وتوثيقه ، بين اللّه سبحانه ، وبين المجاهدين ، وفى هذا العقد يقول اللّه تعالى: « إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ .. وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ » (111: التوبة) .
وفى قوله تعالى: « وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ » ـ إشارة إلى أن الأفعال هى التي عليها المعوّل في الكشف عن إيمان المؤمنين وصبر الصابرين .. فابتلاء اللّه سبحانه لأخبار المؤمنين ، إنما هو ابتلاء لهم ، وتعرف على أحوالهم ، من أخبارهم ، التي هى حكاية لأعمالهم ، وتصوير لها .. وهذا يشير أيضا إلى أن للأعمال آثارها فى