اعلم أنَّ الجهاد في سبيل الله تعالى نوعان:
أحدهما: جهادُ الطلب:
وهو فرض كفاية ، إن قام به من تحصل بهم مقاصد هذا النوع ، سقط التكليف به عن سائر أهل الإسلام ، وإن لم يقم به أحد ، أثموا جميعا ، وسلَّط الله عليهم الهوان ، وعوقبوا بزوال النعم ، وحلول النقم ، وظهور الأعداء ، وذهاب ما هم فيه من العزِّ ، عياذا بالله تعالى .
وهدف هذا النوع هو: قتالُ من يقاتلنا إذا أردنا إظهار دين الله تعالى ، وهذا التعريف أوضح وأبين وأدل على مقصود جهاد الطلب ، من قول من عرفه بأنه قتال من يمنع انتشار الدعوة الإسلامية .
ذلك أن الله تعالى شرع الجهاد لتكون كلمة الله تعالى هي العليا في الأرض كلها كما قال تعالى: { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (39) سورة الأنفال ، وبتعبير عصري: يكون النظام الدولي خاضعا لشريعة الله تعالى ، بمعنى أن يكون لدين الإسلام اليدُ العليا على العالم أجمع ، وإنما يكون ذلك ، إذا كانت دولة الإسلام هي الظاهرة في الأرض على سواها ، وشأنها هو الأعلى على كلِّ ما عداها ، هذا هو مقصد جهاد الطلب قال تعالى: { وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } (139) سورة آل عمران .
فمن قاتلنا ليمنعنا من تحقيق هذا المقصد الإلهي ، قاتلناه ، وذلك في الأرض كلها .
والدليل على هذا الحكم الإلهي: قوله تعالى: { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (39) سورة الأنفال، وقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} (123) سورة التوبة.
كما يدلُّ عليه الإجماعُ القديم ، فقد عمل الصحابة رضي الله عنهم بهذه الآية ، فقاتلوا من يليهم من الكفار حتى بلغوا أقاصي الأرض ، فلم يذروهم حتى يسلموا أو يؤتوا الجزية ، وإنما هي ـ أعني الجزية ــ تعبيرٌ عن الإقرار منهم بعلو كلمة الإسلام عليهم ، وظهور شريعة الله تعالى على دولتهم ، وبهذا تذلُّ راية الكفر ويكون شأنها خاسرا ، وينقلبُ دين الشيطان صاغرا ، وتنجو البشريةُ من كيد إبليس الرجيم ، وتنعم بالهدى والرحمة في ظلال هذا الدين القويم .
ومما يدلُّ على ذلك أيضا ما روي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ ، أَوْ سَرِيَّةٍ ، أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ، ثُمَّ قَالَ:"اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا ، وَلَا تَغْدِرُوا ، وَلَا تَمْثُلُوا ، وَلَا"