فهرس الكتاب

الصفحة 280 من 608

المبحث الحادي عشر

التحذير من ترك الغزو والنفقة في سبيل الله

قال تعالى: { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) } [البقرة/195]

بَذَلَ الأَنْصَارُ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبيلِ اللهِ ، وَنُصْرَةِ دِينِهِ ، وَأوَوا المُهَاجِرِينَ وَسَاعَدُوهُمْ ، فَلَمَّا أَعَزَّ اللهُ الإِسْلامَ ، وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ ، قَالَ بَعْضُ الأَنْصَارِ لِبَعْضٍ: لَوْ أَنَّهُمْ أَقْبَلُوا عَلَى أَمْوَالِهِمْ فَأَصْلَحُوهَا . فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هذِهِ الآيَةَ . وَفِيها يُبَيِّنُ اللهُ لَهُمْ أَنَّ الإِقَامَةَ عَلَى الأَمْوَالِ ، وَإِصْلاَحَهَا ، وَتَرْكَ الغَزْوِ وَالجِهَادِ وَالإِنْفَاقِ فِي سَبيل الله . . . فِيهِ التَّهْلُكَةُ . فَعَادُوا إِلى الجِهَادِ ، وَإِلى إِنْفَاقِ أَمْوالِهِمْ فِي سَبيلِ اللهِ ، وَإِعْلاَءِ كَلِمَتِهِ ، وَفِي وُجُوهِ الطَّاعَاتِ . وَأَخْبَرَ اللهُ المُؤْمِنينَ بِأَنَّ تَرْكَ الجِهَادِ ، وَتَرْكَ الإِنْفَاقِ فِيهِ هَلاَكٌ وَدَمَارٌ لِمَنْ لِزِمَهُ وَاعْتَادَهُ ، فَإِذا بَخِلَ المُؤْمِنُونَ ، وَقَعَدُوا عَنِ الجِهَادِ رَكِبَهُمْ أًعْدَاؤُهُمْ وَأَذَلُّوهُمْ ، فَكَأَنَّهُمْ إِنَّمَا أَلْقَوا بِأَيْدِيهِمْ إِلى التَّهْلُكَةِ .

وعن أَسْلَمَ أَبي عِمْرَانَ ، مَوْلًى لِكِنْدَةَ قَالَ: كُنَّا بِمَدِينَةِ الرُّومِ ، فَأَخْرَجُوا إِلَيْنَا صَفًّا عَظِيمًا ، مِنَ الرُّومِ ، وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ مِثْلُهُ ، أَوْ أَكْثَرُ ، وَعَلَى أَهْلِ مِصْرَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ ، حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ ، فَصَاحَ بِهِ النَّاسُ ، وَقَالُوا: سُبْحَانَ اللهِ تُلْقِي بِيَدِكَ إِلَى التَّهْلُكَةِ ، فَقَامَ أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الآيَةَ ، عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ ، إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ، فِينَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ إِنَّا لَمَّا أَعَزَّ اللَّهُ الإِسْلاَمَ ، وَكَثَّرَ نَاصِرِيهِ ، قُلْنَا بَعْضُنَا لِبَعْضٍ سِرًّا ، مِنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: إِنَّ أَمْوَالَنَا قَدْ ضَاعَتْ ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعَزَّ الإِسْلاَمَ ، وَكَثَّرَ نَاصِرِيهِ ، فَلَوْ أَقَمْنَا فِي أَمْوَالِنَا ، فَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنَّا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، يَرُدُّ عَلَيْنَا مَا قُلْنَا {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ، وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ، وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة] ، فَكَانَتِ التَّهْلُكَةُ الإِقَامَةَ فِي أَمْوَالِنَا ، وَإِصْلاَحَهَا ، وَتَرْكَنَا الْغَزْوَ ، قَالَ: وَمَا زَالَ أَبُو أَيُّوبَ شَاخِصًا ، فِي سَبِيلِ اللهِ ، حَتَّى دُفِنَ بِأَرْضِ الرُّومِ. [1]

ثُمَّ أَمَرَ اللهُ المُسْلِمِينَ بِأَنْ يُحْسِنُوا كُلَّ أَعْمَالِهِمْ ، وَأَنْ يُجَوِّدٌوهَا ، وَيَدْخُلُ فِي ذلِكَ التَّطَوُعُ بِالإِنْفَاقِ فِي سَبيلِ اللهِ لِنَشْرِ الدَّعْوَةِ .

(1) - صحيح ابن حبان - (ج 11 / ص 9) (4711) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت