الباب الأول
ما ورد في القرآن الكريم
1-يرجون رحمة الله:
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (218) سورة البقرة
يَعِدُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ الذِينَ دَفَعَهُمْ إِيمَانُهُمُ الصَّادِقُ إِلى الهِجْرَةِ ، وَإِلى الجِهَادِ مَعَ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، لِنَصْرِ دِينِ اللهِ ، وَرَدِّ أَذَى الكُفَّارِ ، وَإِلى الصَّبْرِ عَلَى مَا يُصِيبُهُمْ مِنْ أَذَى المُشْرِكِينَ فِي سَبيلِ عَقِيدَتِهِمْ وَإِيمَانِهِم ، بِإِحْدَى الحُسْنَيَيْنِ: النَّصْرِ أَوِ الشَّهَادَةِ ، وَهؤُلاءِ المُؤْمِنُونَ الصَّابِرُونَ هُمُ الذينَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ رَبِّهِمْ ، وَاللهُ تَعَالَى لا يُخَيِّبُ رَجَاءَهُمْ ، وَهُوَ وَاسِعُ المَغْفِرَةِ للتَّائِبِينَ المُسْتَغْفِرِينَ ، عَظِيمُ الرَّحْمَةِ بِالمُؤْمِنِينَ.
هذه الآية تفرد الذين آمنوا وثبتوا على إيمانهم ، واجتازوا المحنة ، ونجوا من الفتنة ـ تفردهم بذكر خاص ، وتنوّه بهم ، وتدنيهم من رحمة اللّه ورضوانه ، وذلك في مواجهة أولئك الذين واجهوا المحنة فلم يصبروا ولم يصابروا ، ففروا من ميدان المعركة تاركين دينهم الذي ارتضوه سلبا ملقى في ساحة الحرب!
هذا وفى الآية الكريمة:
أولا: قوله تعالى: « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ » فصل بين الذين آمنوا وبين الذين هاجروا وجاهدوا في سبيل اللّه ، فلم يجعلهم نسقا واحدا داخلا في صلة الموصول الأول ، بل أفردهم بذكر خاص ، فكأن الذين آمنوا صنف ، والذين هاجروا وجاهدوا صنف آخر .. ولو كانوا صنفا واحدا لجاء النظم هكذا: « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا. ولكن هكذا جاء نظم القرآن بجلاله وروعته وإعجازه ، ليضع موازين الحق فيما يقول .. فالمؤمنون ـ مطلق الإيمان ، بلا هجرة ولا جهاد ـ هم صنف وحدهم في المؤمنين.
والمؤمنون المهاجرون المجاهدون ، هم صنف آخر يختلف عن الصنف الأول بميزات وفضائل .. ويحق لهم بهذه الميزات وتلك الفضائل أن ينوه بهم ، ويرفع شأنهم بين المؤمنين. إذ الإيمان بلا عمل نبات لا ظل له ، ولا ثمر فيه.
ثانيا: قوله تعالى: « أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ » وضع الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل اللّه موضع الرجاء من رحمة اللّه ، ولم يعطهم الثواب والمغفرة والرضوان على القطع والتحقيق ، وذلك ليقيمهم من هذا الرجاء على عمل دائم ، وجهاد متصل ، وهذا على خلاف ما إذا سوّى حسابهم بعد