فهرس الكتاب

الصفحة 566 من 608

5-الاِنْتِحَارُ لِخَوْفِ إِفْشَاءِ الأَْسْرَارِ :

إِذَا خَافَ الْمُسْلِمُ الأَْسْرَ ، وَعِنْدَهُ أَسْرَارٌ هَامَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَيَتَيَقَّنُ أَنَّ الْعَدُوَّ سَوْفَ يَطَّلِعُ عَلَى هَذِهِ الأَْسْرَارِ ، وَيُحْدِثُ ضَرَرًا بَيِّنًا بِصُفُوفِ الْمُسْلِمِينَ وَبِالتَّالِي يُقْتَل ، فَهَل لَهُ أَنْ يَقْتُل نَفْسَهُ وَيَنْتَحِرَ أَوْ يَسْتَسْلِمَ ؟

لَمْ نَجِدْ فِي جَوَازِ الاِنْتِحَارِ خَوْفَ إِفْشَاءِ الأَْسْرَارِ ، وَلاَ فِي عَدَمِ جَوَازِهِ نَصًّا صَرِيحًا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ ،إِلاَّ أَنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ أَجَازُوا قِتَال الْكُفَّارِ إِذَا تَتَرَّسُوا بِالْمُسْلِمِينَ وَلَوْ تَأَكَّدُوا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ سَيُقْتَلُونَ مَعَهُمْ ، بِشَرْطِ أَنْ يَقْصِدَ بِالرَّمْيِ الْكُفَّارَ ، وَيَتَوَقَّى الْمُسْلِمِينَ بِقَدْرِ الإِْمْكَانِ ، وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِمَا إِذَا كَانَتِ الْحَرْبُ قَائِمَةً ، وَعَلِمْنَا أَنَّنَا لَوْ كَفَفْنَا عَنْهُمْ ظَفِرُوا بِنَا أَوْ عَظُمَتْ نِكَايَتُهُمْ فِينَا ، وَجَعَلُوا هَذَا مِنْ تَطْبِيقَاتِ قَاعِدَةِ: ( يُتَحَمَّل الضَّرَرُ الْخَاصُّ لِدَفْعِ الضَّرَرِ الْعَامِّ ) ،وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ الْفُقَهَاءَ لَمْ يُجَوِّزُوا إِلْقَاءَ شَخْصٍ فِي الْبَحْرِ لِخِفَّةِ ثِقَل السَّفِينَةِ الْمُشْرِفَةِ لِلْغَرَقِ ، لأَِجَل نَجَاةِ رُكَّابِهَا مَهْمَا كَثُرَ عَدَدُهُمْ ، إِلاَّ مَا نَقَل الدُّسُوقِيُّ الْمَالِكِيُّ عَنِ اللَّخْمِيِّ مِنْ جَوَازِ ذَلِكَ بِالْقُرْعَةِ. [1]

قلت: وفي كتاب حكم الانتحار خوف إفشاء الأسرار للشيخ عبد العزيز الجربوع تفصيل لذلك

وخلاصته:

1-جميع النصوص المحرمة قتل المسلم نفسه أو إلقاءها في مواطن الهلكة ، عامة مخصوص منها مسألتنا ، ومن قال غير ذلك فعليه الدليل لكي نرجع إليه رغم أنوفنا {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} (65) سورة النساء ، {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (51) سورة النور، {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} (36) سورة الأحزاب.

2-يجب أن يُعلم أن قياس المنتحر في هذه العمليات الاستشهادية على المنتحر ضجرًا من الدنيا أو لضر أصابه ، قياس مع الفارق ، فالمنتحر وازعه في قتل نفسه الجزع وعدم الصبر أو اليأس ، وهذا ما لا يرضي الله ، وأما المنتحر في العملية الاستشهادية المذكورة آنفًا فوازعه فيها أن يفدي الدِّين وإخوانه المؤمنين بنفسه ، وأن يحمي أعراضهم بدمه وبذلك تكمن رفعة الدين ، والنكاية بالعدو ، فنفسه ، مطمئنة

(1) - انظر الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 6 / ص 286) و ابن عابدين 5 / 173 ، وفتح القدير 4 / 287 ، والدسوقي 2 / 178 ، 4 / 27 ، ونهاية المحتاج 7 / 79 ، 8 / 62 ، والمغني مع الشرح الكبير 10 / 363 ، 505

فالذي يقتل نفسه خوفا من إفشاء الأسرار ، وهو متأكد من أن الكفار سيحصلون على الأسرار ويظفرون بالمسلمين ، أو يعظمون نكايتهم فيهم قد يشبه هذه الحالة في موازنة الضررين ، مع أن فيه قتل المسلم نفسه ، وفي التترس قتله بواسطة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت