لما كان الإقدام على العدو والانغماس فيه حاسرًا ، نوع من التسبب المحمود بقتل النفس ، كانت مسألة العمليات الاستشهادية نوعًا محمودًا آخر إذا خلصت النية ، لأن التسبب بالقتل كالقتل على رأي الجمهور ، كما سنبينه إن شاء الله .
ومسألة التترس التي أجازها العلماء ، هي مسألة شبيهة بمسألة العمليات الاستشهادية إلا أن بينهما فارقًا سنبينه فيما بعد ، لأن من أجاز قتل المسلمين المتترس بهم لا شك أنه يجيز قتل النفس بالعمليات الاستشهادية إذا كان في ذلك مصلحة للدين ، فحرمة إزهاق نفس المسلم كحرمة إزهاق نفسه بل أعظم وهي من الكبائر .
فقد أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى قَتْل غَيْرِهِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ الإِْقْدَامُ عَلَى قَتْلِهِ ، وَلاَ انْتِهَاكُ حُرْمَتِهِ بِجَلْدٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَيَصْبِرُ عَلَى الْبَلاَءِ الَّذِي نَزَل بِهِ ، وَلاَ يَحِل لَهُ أَنْ يَفْدِيَ نَفْسَهُ بِغَيْرِهِ ، وَيَسْأَل اللَّهَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ . [1]
قَال الصَّاوِيُّ الْمَالِكِيُّ: لَوْ قَال لَكَ ظَالِمٌ: إِنْ لَمْ تَقْتُل فُلاَنًا أَوْ تَقْطَعْهُ قَتَلْتُكَ ، فَلاَ يَجُوزُ ذَلِكَ وَيَجِبُ عَلَى مَنْ قِيل لَهُ ذَلِكَ أَنْ يَرْضَى بِقَتْل نَفْسِهِ وَيَصْبِرَ [2] .
فمن أجاز قتل المسلم للمصلحة ، لا بدَّ له من أن يجيز قتل النفس للمصلحة طردًا لأصله ، إلا أن الفقهاء لم يبحثوا العمليات الاستشهادية بوضعها الحالي التي عرفناها في أول البحث ، لأن الوسائل تغييرت وأساليب الحرب تطورت .
والفارق الذي لا بد أن يؤخذ بالاعتبار ويفهم به كلام السلف الذين أجازوا قتل المتترس بهم ، هو أن السلف أجازوا قتل المتترس بهم حال الضرورة ، أما العمليات الاستشهادية فلا يقتضي جوازها إلى ضرورة ملحة كمسألة التترس ، فإن المسألتين متشابهتان من وجه مختلفتان من وجه آخر ، لأن قتل الغير لم ترد به نصوص تجيزه أبدًا ، ولكن غلبت المصلحة العامة على الخاصة للضرورة ، والقاعدة تقول الضرورات تبيح المحضورات ، والقاعدة الأخرى تقول إذا تعارضت مفسدتان ارتكب أدناهما ، ولكن في العمليات الاستشهادية لا نحتاج إلى إجازتها بالقواعد كتعارض المفاسد أو إجازتها حال الضرورة ، لأن
(1) - التفسير المنير ـ موافقا للمطبوع - (14 / 247) وتفسير القرطبي ـ موافق للمطبوع - (10 / 183) والموسوعة الفقهية الكويتية - (28 / 202) وانظر تبيين الحقائق 5 / 186 ، ومجمع الأنهر 2 / 417 ، والشرح الصغير 2 / 549 ، وشرح الزرقاني 4 / 88 ، والمغني 7 / 645 ، ونهاية المحتاج 7 / 245 ، و 248
(2) - الشرح الصغير مع حاشية الصاوي 2 / 549 .