عندنا نصوصًا تحث على الإقدام على العدو وتثني على من اقتحم على العدو رغم تيقنه الموت فيها ، بشرط أن تكون نيته خالصة لإعلاء كلمة الله ، فهنا الفارق بين المسألتين الأولى على المنع وأجيزت للضرورة والثانية ليس فيها منع بل فيها حث على الإقدام ، ومن قال بجواز أمر محرم ولم تأت النصوص بجوازه مطلقًا وهو قتل المسلم ، فلا شك أنه سيجيز نظيره وهو أقل حرمة في الأصل ، وجاءت النصوص على إباحته والأمر به والحث عليه ومدح فاعله ، فتنبه أخي الكريم للفرق ، فما يباح للضرورة غير ما يباح للمصلحة ، والقول بجواز قتل الترس أصعب من القول بجواز قتل النفس وقد تواردت الأدلة على جواز الثانية
ووجه الشبه بين المسألتين ، أنه في كلا الحالتين تم إزهاق نفس مسلمة لمصلحة الدين ، فمن أخرج قتل المسلم في مسألة التترس عن أصلها من الحرمة فأجازه لسبب ما ، فلا شك أيضًا أن الاقتحام على العدو والعمليات الاستشهادية لها اعتبارات شرعية تخرجها عن أصل حرمة قتل النفس وتجعلها ممدوحة مثني على فاعلها و موصوف بالشهادة ، هذا لو سلمنا أنه لا يوجد أدلة تحث على فعله .
والتَّتَرُّسُ فِي اللُّغَةِ: التَّسَتُّرُ بِالتُّرْسِ ، وَالاِحْتِمَاءُ بِهِ وَالتَّوَقِّي بِهِ [1] .
وَكَذَلِكَ التَّتْرِيسُ ، يُقَال: تَتَرَّسَ بِالتُّرْسِ ، أَيْ تَوَقَّى وَتَسَتَّرَ بِهِ . [2]
كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَال: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ يَتَتَرَّسُ مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بِتُرْسٍ وَاحِدٍ [3]
وَيُقَال أَيْضًا: تَتَرَّسَ بِالشَّيْءِ جَعَلَهُ كَالتُّرْسِ وَتَسَتَّرَ بِهِ ، وَمِنْهُ: تَتَرَّسَ الْكُفَّارُ بِأَسَارَى الْمُسْلِمِينَ وَصِبْيَانِهِمْ أَثْنَاءَ الْحَرْبِ . وَلاَ يَخْرُجُ الاِسْتِعْمَال الْفِقْهِيُّ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى . [4]
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ رَمْيُ الْكُفَّارِ إِذَا تَتَرَّسُوا بِالْمُسْلِمِينَ وَأَسَارَاهُمْ أَثْنَاءَ الْقِتَال أَوْ حِصَارِهِمْ مِنْ قِبَل الْمُسْلِمِينَ ، إِذَا دَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَى ذَلِكَ ، بِأَنْ كَانَ فِي الْكَفِّ عَنْ قِتَالِهِمُ انْهِزَامٌ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَالْخَوْفُ عَلَى اسْتِئْصَال قَاعِدَةِ الإِْسْلاَمِ . وَيُقْصَدُ بِالرَّمْيِ الْكُفَّارُ .
وَلَكِنْ إِذَا لَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ إِلَى رَمْيِهِمْ لِكَوْنِ الْحَرْبِ غَيْرَ قَائِمَةٍ ، أَوْ لإِِمْكَانِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ بِدُونِهِ ، فَلاَ يَجُوزُ رَمْيُهُمْ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ ، وَهُوَ قَوْل الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ . وَيَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - مَا
(1) - الترس: صفحة من الفولاذ مستديرة تحمل في اليد للوقاية من السيف ونحوه ( لسان العرب ، وتاج العروس ، والمصباح المنير مادة:"ترس") .
(2) - لسان العرب ، وتاج العروس .
(3) - أخرجه البخاري في صحيحه ( فتح الباري 6 / 93 - ط السلفية ) .
(4) - الموسوعة الفقهية الكويتية - (10 / 136)