قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ (214) } البقرة .
يُخَاطِبَ اللهُ تَعَالَى الذِينَ هَدَاهُمْ إِلى السِّلْمِ ، وَإِلَى الخُرُوجِ مِنْ ظُلْمَةِ الاخْتِلاَفِ ، إِلى نُورِ الوِفَاقِ ، بِاتِّبَاعِهِمْ هُدَى الكِتَابِ زَمَنَ التَّنْزيلِ ، الذِينَ يَظُنُّونَ مِنْهُمْ أَنَّ انْتِسَابَهُمْ إِلى الإِسْلاَمِ فِيهِ الكِفَايَةُ لِدُخُولِ الجَنَّةِ دُونَ أَنْ يَتَحَمَّلُوا الشَّدَائِدَ وَالأَذَى فِي سَبيلِ الحَقِّ ، وَهِدَايَةِ الخَلْقِ ، جَهْلًا مِنْهُمْ بِسُنَّةِ اللهِ تَعَالَى فِي أَهْلِ الهُدَى مُنْذُ أَنْ خَلَقَهُمْ . فَيَقُولُ لَهُمْ: هَلْ تَحْسَبُونَ أَنَّكُمْ تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ أَنْ تُبْتَلَوا وَتُخْتَبَرُوا كَمَا فُعِلَ بِالذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الأُمَمِ الذِينَ ابْتُلُوا بِالفَقْرِ ( البَأَسَاءُ ) ، وَبِالأَسْقَامِ وَالأَمْرَاضِ ( الضَّرَّاءُ ) ، وَخُوِّفُوا وَهُدَّدُوا مِنَ الأَعْدَاءِ ( زُلْزِلُوا ) ، وَامتُحِنُوا امْتِحَانًا عَظِيمًا ، وَاشْتَدَّتِ الأُمُورُ بِهِمْ حَتَّى تَسَاءَلَ الرَّسُولُ وَالمُؤْمِنُونَ قَائِلِينَ: مَتَى يَأْتِي نَصْرُ اللهِ .
وَحِينَما تَثْبُتُ القُلُوبُ عَلَى مِثْلِ هذِهِ المِحَنِ المُزَلْزِلَةِ ، حِينَئِذٍ تَتِمُّ كَلِمَةُ اللهِ ، وَيَجِيءُ نَصْرُهُ الذِي يَدَّخِرُهُ لِمَنْ يَسْتَحِقُّهُ مِنْ عِبَادِهِ الذِينَ يَسْتَيْقِنُونَ أَنْ لاَ نَصْرَ إِلاَّ نَصْرُ اللهِ .
أما وقد استنقذ اللّه سبحانه المؤمنين برحمته ، وهداهم الصراط المستقيم بفضله ، فقد وجب عليهم أداء أمانة هذا الدين الذي هداهم اللّه إليه ، فالدّين ليس مجرد مفاهيم أو تصورات يتلقاها المؤمن من نصوص الشريعة ، وإنما هو مع ذلك سلوك قائم في ظل هذه المفاهيم وتلك التصورات ، فالطريق إلى الجنة محفوف بالمكاره ، والمؤمنون مبتلون في أموالهم وأنفسهم ، ممتحنون في إيمانهم وصبرهم ، كما يقول اللّه تعالى: « وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ » (31: سورة محمد) ويقول سبحانه « وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ » (155: سورة البقرة) .
فالذين آمنوا باللّه واتبعوا رسول اللّه ، معرّضون لهذا الامتحان الذي يمتحن به المؤمنون ، أتباع رسل اللّه ، فكم حمل هؤلاء الرسل وأتباعهم من أعباء ، وكم لاقوا من أهوال ، وكم تجرعوا من غصص ، مما رهقهم به سفهاء أقوامهم من جهالات وسفاهات: « مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا » أي اضطربت مشاعرهم وتبلبلت خواطرهم ، واستيأسوا وظنّوا أنهم أحيط بهم ، فاستعجلوا النصر الذي وعدهم اللّه ، كما يقول سبحانه: « كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ » (28: المجادلة) وقالوا: « مَتى نَصْرُ اللَّهِ ؟ » وكأنهم يقولون فيما يقولون: أين نصر اللّه الذي وعدنا به ؟ .
ومن آفاق الحق ومن قلوب أولياء اللّه الراسخين في الإيمان ، يجىء هذا المدد الكريم ، يسوق بين يديه بشريات الفرج المرتقب والنصر الموعود: « أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ » .