إن راية الحق لا تنكس أبدا ، إذا هى شدّت إلى أيد مؤمنة مستمسكة بالحق ، معتصمة بالصبر ، مستعدة للبذل والتضحية ، فإن المجاهدين تحت هذه الراية ، إنما يجاهدون تحت راية اللّه ، وحسبهم باللّه معينا وناصرا « أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » (32 المجادلة) وقوله تعالى: « وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ » أي ولما تصابوا بما أصيب به من سبقكم من المؤمنين في الأمم الماضية من شدائد ومحن ، فالمثل هنا هو الواقعة المادية ، وليس الصورة اللفظية الحاكية لتلك الواقعة. [1]
إن هذا السؤال من الرسول والذين آمنوا معه. من الرسول الموصول باللّه ، والمؤمنين الذين آمنوا باللّه. إن سؤالهم: «مَتى نَصْرُ اللَّهِ؟» ليصور مدى المحنة التي تزلزل مثل هذه القلوب الموصولة. ولن تكون إلا محنة فوق الوصف ، تلقي ظلالها على مثل هاتيك القلوب ، فتبعث منها ذلك السؤال المكروب: «مَتى نَصْرُ اللَّهِ؟» ..
وعند ما تثبت القلوب على مثل هذه المحنة المزلزلة .. عندئذ تتم كلمة اللّه ، ويجيء النصر من اللّه: «أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ» ..إنه مدخر لمن يستحقونه. ولن يستحقه إلا الذين يثبتون حتى النهاية. الذين يثبتون على البأساء والضراء.
الذين يصمدون للزلزلة. الذين لا يحنون رؤوسهم للعاصفة. الذين يستيقنون أن لا نصر إلا نصر اللّه ، وعند ما يشاء اللّه. وحتى حين تبلغ المحنة ذروتها ، فهم يتطلعون فحسب إلى «نَصْرُ اللَّهِ» ، لا إلى أي حل آخر ، ولا إلى أي نصر لا يجيء من عند اللّه. ولا نصر إلا من عند اللّه.
بهذا يدخل المؤمنون الجنة ، مستحقين لها ، جديرين بها ، بعد الجهاد والامتحان ، والصبر والثبات ، والتجرد للّه وحده ، والشعور به وحده ، وإغفال كل ما سواه وكل من سواه.
إن الصراع والصبر عليه يهب النفوس قوة ، ويرفعها على ذواتها ، ويطهرها في بوتقة الألم ، فيصفو عنصرها ويضي ء ، ويهب العقيدة عمقا وقوة وحيوية ، فتتلألأ حتى في أعين أعدائها وخصومها. وعندئذ يدخلون في دين اللّه أفواجا كما وقع ، وكما يقع في كل قضية حق ، يلقى أصحابها ما يلقون في أول الطريق ، حتى إذا ثبتوا للمحنة انحاز إليهم من كانوا يحاربونهم ، وناصرهم أشد المناوئين وأكبر المعاندين ..
على أنه - حتى إذا لم يقع هذا - يقع ما هو أعظم منه في حقيقته. يقع أن ترتفع أرواح أصحاب الدعوة على كل قوى الأرض وشرورها وفتنتها ، وأن تنطلق من إسار الحرص على الدعة والراحة ، والحرص على الحياة نفسها في النهاية .. وهذا الانطلاق كسب للبشرية كلها ، وكسب للأرواح التي تصل إليه
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (1 / 236)