فهرس الكتاب

الصفحة 587 من 608

عَدَا الْحَسَنَ بْنَ زِيَادٍ - لأَِنَّ فِي الرَّمْيِ دَفْعَ الضَّرَرِ الْعَامِّ بِالدَّفْعِ عَنْ مُجْتَمَعِ الإِْسْلاَمِ ، إِلاَّ أَنَّهُ عَلَى الرَّامِي أَلاَّ يَقْصِدَ بِالرَّمْيِ إِلاَّ الْكُفَّارَ . [1]

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُمْ يُقَاتَلُونَ ، وَلاَ يَقْصِدُونَ الْمُتَتَرَّسَ بِهِمْ ، إِلاَّ إِذَا كَانَ فِي عَدَمِ رَمْيِ الْمُتَتَرَّسِ بِهِمْ خَوْفٌ عَلَى أَكْثَرِ الْجَيْشِ الْمُقَاتِلِينَ لِلْكُفَّارِ ، فَتَسْقُطُ حُرْمَةُ التُّرْسِ ، سَوَاءٌ أَكَانَ عَدَدُ الْمُسْلِمِينَ الْمُتَتَرَّسِ بِهِمْ أَكْثَرَ مِنَ الْمُجَاهِدِينَ أَمْ أَقَل ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَتَرَّسُوا بِالصَّفِّ ، وَكَانَ فِي تَرْكِ قِتَالِهِمُ انْهِزَامٌ لِلْمُسْلِمِينَ [2] .

وَعَلَى هَذَا فَإِنْ أُصِيبَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ نَتِيجَةَ الرَّمْيِ وَقُتِل ، وَعُلِمَ الْقَاتِل ، فَلاَ دِيَةَ وَلاَ كَفَّارَةَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ ؛ لأَِنَّ الْجِهَادَ فَرْضٌ ، وَالْغَرَامَاتُ لاَ تُقْرَنُ بِالْفَرَائِضِ ، خِلاَفًا لِلْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ ، فَإِنَّهُ يَقُول بِوُجُوبِ الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ فِيهِ الْكَفَّارَةَ قَوْلًا وَاحِدًا . أَمَّا الدِّيَةُ فَفِيهَا عَنْهُمْ قَوْلاَنِ: فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنْ عَلِمَهُ الرَّامِي مُسْلِمًا ، وَكَانَ يُمْكِنُ تَوَقِّيهِ وَالرَّمْيُ إِلَى غَيْرِهِ لَزِمَتْهُ الدِّيَةُ ، وَإِنْ لَمْ يَتَأَتَّ رَمْيُ الْكُفَّارِ إِلاَّ بِرَمْيِ الْمُسْلِمِ فَلاَ . [3]

وَكَذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: تَجِبُ الدِّيَةُ فِي رِوَايَةٍ لأَِنَّهُ قَتَل مُؤْمِنًا خَطَأً ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: لاَ دِيَةَ لأَِنَّهُ قُتِل فِي دَارِ الْحَرْبِ بِرَمْيٍ مُبَاحٍ . [4]

وَإِنْ تَتَرَّسَ الْكُفَّارُ بِذَرَارِيِّهِمْ وَنِسَائِهِمْ فَيَجُوزُ رَمْيُهُمْ مُطْلَقًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ ، وَيَقْصِدُ بِالرَّمْيِ الْمُقَاتِلِينَ ، لأَِنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَمَاهُمْ بِالْمَنْجَنِيقِ وَمَعَهُمُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ .

فعَنْ مَكْحُولٍ:"أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا" [5]

(1) - فتح القدير 5 / 198 ط إحياء التراث العربي ، وابن عابدين 3 / 333 ط إحياء التراث العربي ، والحطاب 3 / 351 ط دار الفكر ، وحاشية الدسوقي 2 / 178 ط دار الفكر ، ونهاية المحتاج 8 / 65 ، والأم 4 / 287 ط دار المعرفة ،

(2) - الحطاب 3 / 351 ط دار الفكر ، وحاشية الدسوقي 2 / 178 ط دار الفكر .

(3) - فتح القدير 5 / 198 ، والمبسوط 10 / 31 - 65 ، وشرح الروض 4 / 191 ، وروضة الطالبين 10 / 246 ، وقد جعل صاحب نهاية المحتاج القيدين الواردين في الدية واردين في الكفارة أيضا ، ونهاية المحتاج 8 / 43 ، والمغني 8 / 449 - 450 .

(4) - المغني 8 / 450 .

(5) - الطَّبَقَاتُ الْكُبْرَى لِابْنِ سَعْدٍ (1668) صحيح مرسل

وعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَاصَرَ أَهْلَ الطَّائِفِ ، وَنَصَبَ عَلَيْهِمُ الْمَنْجَنِيقَ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا"قَالَ أَبُو قِلَابَةَ:"وَكَانَ يُنْكَرُ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ"قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ:"فَكَأَنَّهُ كَانَ يُنْكَرُ عَلَيْهِ وَصْلُ إِسْنَادِهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ إِنَّمَا أَنْكَرَ رَمْيَهُمْ يَوْمَئِذٍ بِالْمَجَانِيقِ"فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ يَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، قَالَ: حَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - شَهْرًا . قُلْتُ: فَبَلَغَكَ أَنَّهُ رَمَاهُمْ بِالْمَجَانِيقِ ؟ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ ، وَقَالَ: مَا يُعْرَفُ هَذَا . قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ:"كَذَا قَالَ يَحْيَى إِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ ، وَزَعَمَ غَيْرُهُ أَنَّهُ بَلَغَهُ . رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ ثَوْرٍ ، عَنْ مَكْحُولٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَصَبَ الْمَجَانِيقَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ . وَقَدْ ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ . أَخْبَرَنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، أنبأ أَبُو الْحُسَيْنِ الْفَسَوِيُّ ، ثنا أَبُو عَلِيٍّ اللُّؤْلُؤِيُّ ، ثنا أَبُو دَاوُدَ ، فَذَكَرَهُمَا ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ عَنْ شُيُوخِهِ ، كَمَا ذَكَرَهُ مَكْحُولٌ ، وَزَعَمَ أَنَّ الَّذِي أَشَارَ بِهِ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ"السُّنَنُ الْكُبْرَى لِلْبَيْهقِيِّ (16623 ) "

قلت: فقد روي عن علي رضي الله عنه نحوه ، والمثبت مقدم على النافي ، فلا يقبل كلام يحيى بن أبي كثير رحمه الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت