فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 608

الحياة ، وفى الناس ، وأنها تقع تحت حكم الناس عليها والإخبار عنها بما يرضيهم أو يسخطهم منها .. وهذا يشير مرة أخرى إلى أن المجتمع الإنسانى له وزنه وله قدره ، في الحكم على أعمال الناس ، وأن حكمهم على عمل بأنه حسن غير حكمهم عليه بأنه سيء .. فلهذا وزنه ، ولذلك وزنه عندهم ، وعند اللّه كذلك .. [1]

إن اللّه - جلت حكمته - يأخذ البشر بما هو في طوقهم ، وما هو من طبيعتهم واستعدادهم. وهم لا يعلمون عن الحقائق المستكنة ما يعلمه. فلا بد لهم من تكشف الحقائق ليدركوها ويعرفوها ويستيقنوها ، ثم ينتفعوا بها.

والابتلاء بالسراء والضراء ، وبالنعماء والبأساء ، وبالسعة والضيق ، وبالفرج والكرب .. كلها تكشف عما هو مخبوء من معادن النفوس ، وما هو مجهول من أمرها حتى لأصحابها ..

أما المراد بعلم اللّه لما تتكشف عنه النفوس بعد الابتلاء فهو تعلق علمه بها في حالتها الظاهرة التي يراها الناس عليها.

ورؤية الناس لها في صورتها التي تدركها مداركهم هو الذي يؤثر فيهم ويكيف مشاعرهم ، ويوجه حياتهم بوسائلهم الداخلة في طوقهم. وهكذا تتم حكمة اللّه في الابتلاء.

ومع هذا فإن العبد المؤمن يرجو ألا يتعرض لبلاء اللّه وامتحانه. ويتطلع إلى عافيته ورحمته. فإذا أصابه بلاء اللّه بعد هذا صبر له ، وهو مدرك لما وراءه من حكمة واستسلم لمشيئة اللّه واثقا من حكمته ، متطلعا إلى رحمته وعافيته بعد الابتلاء.

وقد روي عن الفضيل العابد الصوفي أنه كان إذا قرأ هذه الآية بكى وقال: اللهم لا تبلنا. فإنك إن بلوتنا فضحتنا ، وهتكت أستارنا وعذبتنا .. [2]

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (13 / 371)

(2) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (6 / 3299)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت