الإنسانية على دين صحيح ، يتجاوب مع العقل ومنطقه ، ويدخل إلى عقول الناس كما تدخل الحقائق العلمية.
فالعقل الحديث الذي بعد عن الدّين ، إنما بعد عن تلك المعتقدات التي لا تثبت لأدنى نظر ينظر به إليها ، ثم يفرض عليه ـ مع هذا ـ أن يقبلها ، وأن يتعامل معها ، لأنه لا بد له من دين يعيش به ، ويحيا معه ..
فإذا وقف العقل من تلك المعتقدات ، هذا الموقف ، وإذا أبى أن يخضع خضوعا أعمى لسلطانها ـ فذلك حق مشروع له ، وإلّا فما كان لهذا العقل الذي ميّز اللّه الإنسان به عن عالم الحيوان ، وظيفة يؤديها للإنسان ، أو عمل يعمله في هدايته ، وكشف معالم الطريق له ، وخاصة في أهم شأن حيوى من شئونه ، وهو ما يمسّ الحياة الروحية منه.
فليس إذن هذا الموقف المنحرف الذي يقفه العقل العصرى من الدين ـ ليس هذا الموقف عن آفة في هذا العقل ، أو عن استغناء منه عن الدين .. وإنما ذلك ، لهذا الخلاف البعيد الذي بينه وبين الدّين الذي ينظر فيه ، ويدعى إلى الإيمان به.
ولا تحسبنّ أن هذا العقل « العصرى » الذي بعد عن الدين هذا البعد ـ قد اطمأنّ إلى تلك الحياة التي يحياها بلا دين ..
وكلّا ، فالإنسان متديّن بطبعه ، والدين مطلب من مطالب الإنسان ، على أي مستوى من مستويات الإنسانية ، كان عقله ، وكان علمه ..!
فالإنسان البدائى ، وسقراط ، وأفلاطون ، وأرسطو ، والفارابي ، وابن سيناء ، وابن رشد ، هم سواء في الحاجة إلى الدين ، وإلى تصور المعتقد الديني ، الذي يرضيهم ، ويغذّى عاطفتهم ، ويروى الجدب الروحي الذي يجده الإنسان ـ أي إنسان ـ إذا هو بات ليلة أو بعض ليلة على غير دين! والملحدون الذين تعجّ بهم الدنيا في الغرب والشرق ، هم أكثر الناس ظمأ إلى الدين ، وتطلعا إليه ، وبحثا عنه ، ووسواسا به.
وليست هذه المذاهب التي يعيش فيها الماديون ، من طبيعية ، ووجودية ، وغيرها ، إلا سعيا وراء الدين ، وإلا ملأ لهذا الفراغ الديني الذي يجدونه في كيانهم ، ولا يجدون الدين الحقّ الذي يملؤه! وهم في هذا معذورون .. وإلا فماذا يمنع الجائع الذي لا يجد الطعام الطيب الذي يسد جوعه ، إذا هو مد يده إلى الخبيث الذي تعافه النفوس من الطعام وتستقذره ؟ إن هذا من ذاك سواء بسواء! والشبهة الثانية ، هى: هل الدين الإسلامى دين يحمل في كيانه من الحقائق ما يتقبله العقل « العصرى » ، ويجد فيه شيئا يمسك به ، ويقيمه على منطقه ؟