فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 608

أَهْلُ الحَقِّ ، وَمَرَّةً تَكُونُ الغَلَبَةُ لِلْحَقِّ عَلَى البَاطِلِ . وَلَكِنَّ العَاقِبَةَ تَكُونُ دَائِمًا لِلْحَقِّ وَأَهْلِهِ . وَاللهُ تَعَالَى يَبْتَلِي المُؤْمِنينَ لِيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ الصَّادِقِينَ مِنْهُمْ ، وَلِيَتّخِذَ مِنَ المُؤمِنِينَ رِجَالًا يُكْرِمُهُمْ بِالشَّهَادَةِ .

وَيُدَاوِلُ اللهُ الأيَّامَ بَيْنَ النَّاسِ لِيَمِيزَ المُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ ، مِنَ المُنَافِقِينَ ، وَلِتَطْهُرَ نُفُوسُ بَعْضِ ضُعَفَاءِ المُؤْمِنِينَ مِن كُدُورَتِهَا ، فَتَصْفُوَ مِمَّا شَابَهَا وَخَالَطَهَا ، وَلاَ يَكُونُ ذَلِكَ إلا بِالتَّجَارِبِ الكَثِيرَةِ ، وَالامْتِحَانِ بِالشَّدَائِدِ ، وَلِيَكُونَ الجِهَادُ وَالحَرْبُ فِي سَبيلِ اللهِ وَسِيلةً لِتَدْمِيرِ الكَافِرِينَ الذِينَ إذا ظَفِرُوا بَغَوا وَبَطِرُوا .

وَلاَ تَحْسَبُوا أَنَّكُمْ تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَبِرَكُمُ اللهُ تَعَالَى وَيُمَحِّصَكُمْ فِي الشَّدَائِدِ وَالجِهَادِ لِيَرَى صِدْقَ إيمَانِكُمْ ، وَيَرَى مَنْ يَسْتَجِيبُ للهِ ، وَيُخْلِصُ فِي طَاعَتِهِ ، وَقِتَالِ أًَعْدَائِهِ ، وَيَصْبِرُ عَلَى مَكَارِهِ الحُرُوبِ .

يُخَاطِبُ اللهُ تَعَالَى مَنْ شَهِدَ وَقْعَةِ أحُدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَمْ يَشْهَدُوا بَدْرًا ، وَكَانُوا يَتَحَرَّقُونَ شَوْقًا لِلْقِتَالِ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لِيَكُونَ لَهُمْ يَومٌ كَيَوْمِ بَدْرٍ ، وَقَدْ أَلَحُّوا عَلَى الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الخُرُوجِ إلَى أحُدٍ لِيُقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ . وَيَقُولُ تَعَالَى لِهَؤُلاءِ: لَقَدْ كُنْتُمْ تَتَمَنَّوْنَ المَوْتَ فِي سَبِيلِ اللهِ قَبْلَ أنْ تُلاَقُوا القَوْمَ فِي مَيْدَانِ المَعْرَكَةِ ، فَهَا أَنْتُمْ تَرَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَتَمَنَّوْنَ فَمَا بَالُكُمْ دَهِشْتُمْ عِنْدَمَا وَقَعَ المَوْتُ فِيكُمْ؟ وَمَا بَالُكُمْ تَحْزَنُونَ وَتَضْعُفُونَ عَنْ لِقَاءِ مَا كُنْتُمْ تُحِبُّونَ وَتَتَمَنَّوْنَ؟.

كانت موقعة بدر ، ثم موقعة أحد بعدها ، تجربتين مثيرين في مسيرة الدعوة الإسلامية ، وفى كشف معالم الطريق الذي يسير فيه المسلمون تجاه تلك القوى المتربصة بهم ، وبالدّين الذي آمنوا به.

بدأت دعوة الإسلام هامسة ، متخافتة. تمشى على خفوت وخشية بين ظلام الشرك ، ووسط معاقل المشركين .. فلما أخذ صوتها يعلو ويبلغ الأسماع.

أجلب عليها المشركون بجبروتهم وعتوّهم يلاحقون الجماعة القليلة المستضعفة ، حتى كادت تختنق الدعوة في مهدها ، لو لا أن ثبت اللّه أقدام المؤمنين ، وربط على قلوبهم ، فصبروا على ما أوذوا ، وخرجوا عن أموالهم وديارهم وأهليهم ، فارّين بدينهم في وجوه الأرض .. حتى كانت هجرة النبي الكريم إلى المدينة.

فتحدّد بذلك خط سير الدعوة ، كما تحدد الأفق الذي ستشرق منه شمسها ، وتنتشر أضواؤها.

وفى المدينة قامت الخمائر الأولى لدولة الإسلام .. فكان المهاجرون والأنصار الكتيبة الأولى التي أمسكت راية الحق لتلقى بها الشرك كلّه ، والكفر كلّه ، والنفاق كلّه.

وفى موقعة بدر كان أول صدام بين الإسلام ، والكفر .. الإسلام كله ، والشرك كلّه .. ولو أن هذه المعركة انتهت بالقضاء على هذه الجماعة القليلة المسلمة ، لما قامت للإسلام بعدها قائمة ، ولما كان إسلام ولا مسلمون بعدها ..

ولكن اللّه بالغ أمره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت