وقال تعالى: { فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195) } آل عمران
لَمَّا سَأَلَ المُؤْمِنُونَ ذَوُو الأَلْبَابِ رَبَّهُمْ مَا سَأَلُوا فِي الآياتِ السَّابِقَاتِ ، اسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ لِصِدْقِهِمْ فِي إيمَانِهِمْ ، وَذِكْرِهِمْ وَتَفَكُّرِهِمْ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ، وَتَنْزِيهِهِمْ رَبَّهُمْ عَنِ العَبَثِ ، وَتَصْدِيقِهِمْ رُسُلَهُ ، وَقَالَ لَهُمْ: إنَّهُ لاَ يُضَيِّعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْهُمْ مِنْ ذَكَرٍ أوْ أُنْثَى ، وَإنَّهُ سَيُوَفِّي كُلَّ عَامِلٍ أَجْرَهُ ، وَجَمِيعُهُمْ لَدَيهِ سَوَاءٌ فِي الثَّوَابِ ( بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ) ، فَالذِينَ هَاجَرُوا مِنْ دَارِ الشِّرْكِ وَأَتَوا إلى دَارِ الإِيمَانِ ، وَضَايَقَهُمُ المُشْرِكُونَ حَتَّى اضْطَرُّوهُمْ إلى الخُرُوجِ مِنْ دِيَارِهِمْ ، وَمُفَارَقَةِ أَهْلِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ، لاَ لِشَيءٍ إلاَّ أنْ يَقُولُوا رَبَّنَا اللهُ ، وَالَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ ، وَيُقْتَلُونَ صَابِرِينَ مُحْتَسَبِينَ . . . فَهؤُلاءِ جَمِيعًا سَيُكَّفِرُ اللهُ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَخَطَايَاهُمْ ، وَسَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي الأنْهَارُ فِي جَنَبَاتِهَا ، وَيُنِيلُهُمْ ذَلِكَ جَزَاءً لَهُمْ مِنْ عِنْدِ اللهِ ، وَثَوَابًا جَزِيلًا مِنْهُ ، لأنَّ اللهَ عَظِيمٌ ، وَالعَظِيمُ لاَ يُعْطِي إلاَّ جَزِيلًا . وَلِلْعِبَادِ الصَّالِحِينَ عِنْدَ اللهِ خَيْرُ الجَزَاءِ وَالثَّوابِ .بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ - جَمِيعُهُمْ سَواءٌ لَدَيهِ فِي الثَّوابِ .
إنه ليس مجرد التفكر ومجرد التدبر. وليس مجرد الخشوع والارتجاف. وليس مجرد الاتجاه إلى اللّه لتكفير السيئات والنجاة من الخزي ومن النار .. إنما هو «العمل» . العمل الإيجابي ، الذي ينشأ عن هذا التلقي ، وعن هذه الاستجابة ، وعن هذه الحساسية الممثلة في هذه الارتجافة. العمل الذي يعتبره الإسلام عبادة كعبادة التفكر والتدبر ، والذكر والاستغفار ، والخوف من اللّه ، والتوجه إليه بالرجاء. بل العمل الذي يعتبره الإسلام الثمرة الواقعية المرجوة لهذه العبادة ، والذي يقبل من الجميع: ذكرانا وإناثا بلا تفرقة ناشئة من اختلاف الجنس.
فكلهم سواء في الإنسانية - بعضهم من بعض - وكلهم سواء في الميزان ..ثم تفصيل للعمل ، تتبين منه تكاليف هذه العقيدة في النفس والمال كما تتبين منه طبيعة المنهج ، وطبيعة الأرض التي يقوم عليها ، وطبيعة الطريق وما فيه من عوائق وأشواك ، وضرورة مغالبة العوائق ، وتكسير الأشواك ، وتمهيد التربة للنبتة الطيبة ، والتمكين لها في الأرض ، أيا كانت التضحيات ، وأيا كانت العقبات: «فَالَّذِينَ هاجَرُوا ، وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ ، وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي ، وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا. لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ ، وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ. ثَوابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ» .
وقد كانت هذه صورة الداعين المخاطبين بهذا القرآن أول مرة. الذين هاجروا من مكة ، وأخرجوا من ديارهم ، في سبيل العقيدة ، وأوذوا في سبيل اللّه لا في أي غاية سواه ، وقاتلوا وقتلوا .. ولكنها صورة