فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 608

المحبوب شرا. إن العليم بالغايات البعيدة ، المطلع على العواقب المستورة ، هو الذي يعلم وحده. حيث لا يعلم الناس شيئا من الحقيقة.

وعند ما تنسم تلك النسمة الرخية على النفس البشرية تهون المشقة ، وتتفتح منافذ الرجاء ، ويستروح القلب في الهاجرة ، ويجنح إلى الطاعة والأداء في يقين وفي رضاء.

هكذا يواجه الإسلام الفطرة ، لا منكرا عليها ما يطوف من المشاعر الطبيعية ، ولا مريدا لها على الأمر الصعب بمجرد التكليف. ولكن مربيا لها على الطاعة ، ومفسحا لها في الرجاء. لتبذل الذي هو أدنى في سبيل الذي هو خير ولترتفع على ذاتها متطوعة لا مجبرة ، ولتحس بالعطف الإلهي الذي يعرف مواضع ضعفها ، ويعترف بمشقة ما كتب عليها ، ويعذرها ويقدرها ويحدو لها بالتسامي والتطلع والرجاء.

وهكذا يربي الإسلام الفطرة ، فلا تمل التكليف ، ولا تجزع عند الصدمة الأولى ، ولا تخور عند المشقة البادية ، ولا تخجل وتتهاوى عند انكشاف ضعفها أمام الشدة. ولكن تثبت وهي تعلم أن اللّه يعذرها ويمدها بعونه ويقويها. وتصمم على المضي في وجه المحنة ، فقد يكمن فيها الخير بعد الضر ، واليسر بعد العسر ، والراحة الكبرى بعد الضنى والعناء. ولا تتهالك على ما تحب وتلتذ. فقد تكون الحسرة كامنة وراء المتعة! وقد يكون المكروه مختبئا خلف المحبوب. وقد يكون الهلاك متربصا وراء المطمع البراق.

إنه منهج في التربية عجيب. منهج عميق بسيط. منهج يعرف طريقه إلى مسارب النفس الإنسانية وحناياها ودروبها الكثيرة. بالحق وبالصدق. لا بالإيحاء الكاذب ، والتمويه الخادع .. فهو حق أن تكره النفس الإنسانية القاصرة الضعيفة أمرا ويكون فيه الخير كل الخير. وهو حق كذلك أن تحب النفس أمرا وتتهالك عليه. وفيه الشر كل الشر. وهو الحق كل الحق أن اللّه يعلم والناس لا يعلمون! وماذا يعلم الناس من أمر العواقب؟ وماذا يعلم الناس مما وراء الستر المسدل؟ وماذا يعلم الناس من الحقائق التي لا تخضع للهوى والجهل والقصور؟! إن هذه اللمسة الربانية للقلب البشري لتفتح أمامه عالما آخر غير العالم المحدود الذي تبصره عيناه. وتبرز أمامه عوامل أخرى تعمل في صميم الكون ، وتقلب الأمور ، وترتب العواقب على غير ما كان يظنه ويتمناه.

وإنها لتتركه حين يستجيب لها طيعا في يد القدر ، يعمل ويرجو ويطمع ويخاف ، ولكن يرد الأمر كله لليد الحكيمة والعلم الشامل ، وهو راض قرير .. إنه الدخول في السلم من بابه الواسع .. فما تستشعر النفس حقيقة السلام إلا حين تستيقن أن الخيرة فيما اختاره اللّه. وأن الخير في طاعة اللّه دون محاولة منها أن تجرب ربها وأن تطلب منه البرهان! إن الإذعان الواثق والرجاء الهادئ والسعي المطمئن .. هي أبواب السلم الذي يدعو اللّه عباده الذين آمنوا ليدخلوا فيه كافة .. وهو يقودهم إليه بهذا المنهج العجيب العميق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت