فهرس الكتاب

الصفحة 164 من 608

سَبَبِ إِتْيَانِ التَّابُوتِ: إِنَّ أَهْلَ فِلَسْطِينَ ابْتُلُوا بَعْدَ أَخْذِ التَّابُوتِ بِالْفِيرَانِ فِي زَرْعِهِمْ وَالْبَوَاسِيرِ فِي أَنْفُسِهِمْ ، فَتَشَاءَمُوا مِنْهُ ، وَظَنُّوا أَنَّ إِلَهَ إِسْرَائِيلَ انْتَقَمَ مِنْهُمْ فَأَعَادُوهُ عَلَى عَجَلَةٍ تَجُرُّهَا بَقَرَتَانِ ، وَوَضَعُوا فِيهِ صُوَرَ فِيرَانٍ وَصُوَرَ بَوَاسِيرَ مِنَ الذَّهَبِ جَعَلُوا كَفَّارَةً لِذَنْبِهِمْ .

وَمِنَ الْمُدَوَّنِ فِي التَّارِيخِ الْمُقَدَّسِ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لَمَّا أَحْرَقَ الْبَابِلِيُّونَ هَيْكَلَ سُلَيْمَانَ فُقِدَتِ التَّوْرَاةُ وَتَابُوتُ الْعَهْدِ مَعًا لِأَنَّهُمَا قَدْ أُحْرِقَا فِيهِ .

وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي التَّابُوتِ: (فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ) فَقَدْ كَثُرَتْ فِيهِ الرِّوَايَاتُ ، وَمِنْهَا مَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ نَقْلٌ وَلَا يَقْبَلُهُ عَقْلٌ ، عَلَى أَنَّهَا مُتَعَارِضَةٌ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا كَمَا تَرَى فِي تَفْسِيرِ ابْنِ جَرِيرٍ وَهُوَ أُمُّ التَّفَاسِيرِ .

وَقَدْ أَوْرَدْنَا مَا أَوْرَدْنَا مِنْ كُتُبِ الْيَهُودِ لِيُعْلَمَ أَنَّ أَكْثَرَ مَا ذُكِرَ عَنِ التَّابُوتِ وَعَمَّا فِيهِ مِنَ الْغَرَائِبِ لَا أَصْلَ لَهُ فِي تِلْكَ الْكُتُبِ ، وَإِنَّمَا وَحْيُ اللهِ تَعَالَى نَاطِقٌ بِأَنَّ فِيهِ سَكِينَةٌ ، وَالسَّكِينَةُ فِي اللُّغَةِ مَا تَسْكُنُ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَيَطْمَئِنُّ بِهِ الْقَلْبُ ، وَفِي إِتْيَانِ الصُّنْدُوقِ سَكِينَةٌ لَا تَخْفَى لِمَا كَانَ لَهُ مِنَ الشَّأْنِ الدِّينِيِّ عِنْدَ الْقَوْمِ ، أَوْ فِيهِ مَا يُحْدِثُ لَهُمْ سَكِينَةً وَهِيَ الْفِيرَانُ وَالْبَوَاسِيرُ الذَّهَبُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى خَوْفِ الْعَدُوِّ ، أَوِ الْأَلْوَاحُ أَوْ رَضَاضَتُهَا ، وَهِيَ هِيَ الْبَقِيَّةُ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ ، وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ نَحْوُ مَا قُلْنَاهُ . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالْحَقِّ فِي مَعْنَى السَّكِينَةِ مَا قَالَهُ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ مِنْ أَنَّهَا الشَّيْءُ تَسْكُنُ إِلَيْهِ النُّفُوسُ مِنَ الْآيَاتِ . وَقَوْلُهُ: (تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ) يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَلَائِكَةِ صُوَرُ الْكَرُوبَيْنِ وَقَدْ حَمَلَ التَّابُوتَ; أَيْ: وُضِعَ عَلَيْهِمَا كَمَا تَقُولُ فِي وَصْفِ الْقُصُورِ وَالتَّمَاثِيلِ الْمَصْنُوعَةِ: فِيهَا فُلَانٌ عَلَى فَرَسٍ مِنْ نُحَاسٍ ، تُرِيدُ تِمْثَالَ الْمَلِكِ وَتِمْثَالَ الْفَرَسِ ، وَثَانِيهِمَا: أَنَّ الْبَقَرَتَيْنِ اللَّتَيْنِ حَمَلَتَا التَّابُوتَ مِنْ بَعْضِ بِلَادِ الْفِلَسْطِينِيِّينَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتَا تَسِيرَانِ مُسَخَّرَتَيْنِ بِإِلْهَامِ الْمَلَائِكَةِ ، وَفِي كُتُبِ الْقَوْمِ أَنَّ الْبَقَرَتَيْنِ اللَّتَيْنِ جَرَّتَا عَجَلَةَ التَّابُوتِ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا قَائِدٌ وَلَا سَائِقٌ ، وَمَا يَجْرِي بِإِلْهَامٍ لَا كَسْبَ فِيهِ لِلْبَشَرِ وَهُوَ مِنَ الْخَيْرِ يُسْنَدُ إِلَى إِلْهَامِ الْمَلَائِكَةِ . رَوَى نَحْوَ هَذَا ابْنُ جَرِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مَعْقِلٍ أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ يَقُولُ: وَكَلَ بِالْبَقَرَتَيْنِ اللَّتَيْنِ سَارَتَا بِالتَّابُوتِ أَرْبَعَةً مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَسُوقُونَهُمَا إِلَخْ ، وَخَتَمَ الْآيَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) قَالُوا: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا تَتِمَّةَ كَلَامِ نَبِيِّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَهُمْ ، أَيْ إِنَّ فِي مَجِيءِ التَّابُوتِ عَلَامَةٌ أَوْ حُجَّةٌ لَكُمْ تَدُلُّ عَلَى عِنَايَةِ اللهِ بِكُمْ ، وَاصْطِفَائِهِ لَكُمْ هَذَا الْمَلِكَ الَّذِي يَنْهَضُ بشُئُونِكِمْ وَيُنَكِّلُ بِأَعْدَائِكُمْ ، فَعَلَيْكُمْ أَنْ تَرْضَوْا بِمُلْكِهِ وَلَا تَفَرَّقُوا عَنْهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اسْتِئْنَافَ كَلَامٍ مِنْهُ تَعَالَى لِهَذِهِ الْأُمَّةِ ، مَعْنَاهُ أَنَّ فِيمَا أَوْحَاهُ اللهُ تَعَالَى إِلَى نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ عَلَى ثُبُوتِهِ; إِذْ لَوْلَا الْوَحْيُ لَمَا كَانَ يَعْرِفُهَا وَهُوَ الْأُمِّيُّ الَّذِي لَمْ يَقْرَأْ وَلَمْ يَتَعَلَّمْ شَيْئًا ، وَلَا كَانَ يَعْرِفُ مَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْعِبْرَةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت