فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 608

عِصْيَانُهُمْ ، وَشَقَّ عَلَيْهِمْ مُخَالَفَةُ الشَّهْوَةِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا هَوَانُهُمْ ، وَلَمْ يَبْقَ فِيهِمْ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ فِي الْإِيمَانِ وَالْغَيْرَةِ عَلَى الْمِلَّةِ وَالْأُمَّةِ إِلَّا نَفَرٌ قَلِيلٌ (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) (34: 13) وَالْعَدَدُ الْقَلِيلُ مِنْ أَهْلِ الْعَزَائِمِ يَفْعَلُ مَا لَا يَفْعَلُ الْكَثِيرُ مِنْ ذَوِي الْمَآثِمِ ، كَمَا يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى (فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) أَيْ فَلَمَّا جَاوَزَ النَّهْرَ طَالُوتُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ (قَالُوا) وَهُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ شَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ (لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ) الطَّاقَةُ أَدْنَى دَرَجَاتِ الْقُوَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ الصِّيَامِ . وَجَالُوتُ هُوَ أَشْهَرُ أَبْطَالِ أَعْدَائِهِمُ الْفِلَسْطِينِيِّنَ ، وَعَرَّبَهُ النَّصَارَى الَّذِينَ تَرْجَمُوا سِفْرَ صَمْوَئِيلَ الَّذِي فِيهِ الْقِصَّةُ (( جِلْيَاتُ ) )وَلَا اعْتِدَادَ بِتَعْرِيبِهِمْ ، وَالْعِبَارَةُ تُشْعِرُ بِأَنَّ جُنُودَ الْفِلَسْطِينِيِّينَ كَانُوا أَكْثَرَ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ; أَيْ: قَالَ جُمْهُورُ الْجُنُودِ: لَيْسَ لَنَا أَدْنَى شَيْءٍ مِنْ جِنْسِ الطَّاقَةِ بِلِقَاءِ جَالُوتَ وَجُنُودِهِ .

(قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللهِ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا وَجَاوَزُوا النَّهَرَ مَعَ طَالُوتَ ، وَقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الْآخَرِينَ الَّذِينَ شَرِبُوا مِنَ النَّهَرِ لَمْ يُجَاوِزُوهُ; لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَذْكُرْهُمْ ، وَظَنُّوا أَنَّ الْقَوْلَيْنِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ جَاوَزُوا النَّهَرَ ، قَالَ ضِعَافُهُمْ: لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ، وَقَالَ أَقْوِيَاؤُهُمْ: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ إِلَخْ . ثُمَّ اشْتَدَّ بَعْضُهُمْ بِعَزِيمَةِ بَعْضٍ ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِ انْتِصَارِهِمْ مَا يَأْتِي فِي الْآيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ ، وَالْعِبَارَةُ لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ شَرِبُوا مِنَ النَّهَرِ لَمْ يُجَاوِزُوهُ ، وَإِنَّمَا خَصَّ بِالذِّكْرِ الَّذِينَ لَمْ يَشْرَبُوا لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ طَالُوتَ لِأَجْلِ الشُّرْبِ ، فَهُمُ الَّذِينَ جَاوَزُوهُ

مَعَهُ مُقْتَرِنِينَ وَهُمُ الَّذِينَ يَعْتَدُّهُمْ مِنْهُ ، وَيَتَبَرَّأُ مِنَ الْمُتَخَلِّفِينَ الْعَاصِينَ كَمَا عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ فِي الِابْتِلَاءِ .

سِيَاقُ الْكَلَامِ فِيمَنْ فَصَلَ بِهِمْ مِنَ الْجُنُودِ وَابْتُلُوا بِالنَّهَرِ ، وَقَدْ قَالَ فِيهِمْ: إِنَّهُمْ شَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا ، ثُمَّ أَعْلَمَنَا أَنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ وَصَفَهُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ جَاوَزُوا النَّهَرَ مَعَ طَالُوتَ ، فَعَلِمْنَا أَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ أَطَاعُوا وَلَمْ يَشْرَبُوا ، ثُمَّ أَخْبَرَنَا بِقَوْلَيْنِ يَصْلُحُ أَحَدُهُمَا لِمُعَارَضَةِ الْآخَرِ وَرَدِّهِ (الْأَوَّلُ) أَسْنَدَهُ إِلَى ضَمِيرِ الْجَمَاعَةِ الْمَحْكِيِّ عَنْهُمُ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ: إِنَّهُمْ شَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَمِثْلُهُ يَصْدُرُ مِمَّنْ خَالَفَ الْقَائِدَ وَجَبُنَ عَنِ الْقِتَالِ ، وَ (الثَّانِي) أَسْنَدَهُ إِلَى الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مَلَّاقُو اللهِ وَهُوَ يَنْطَبِقُ عَلَى الَّذِينَ أَطَاعُوا الْقَائِدَ وَاتَّحَدُوا مَعَهُ فَلَمْ يَعْصُوا ، وَيَتَّفِقُ مَعَ وَصْفِ الْإِيمَانِ الَّذِي سَبَقَهُ ، فَعَلِمْنَا أَنَّ الْجَمِيعَ جَاوَزُوا النَّهَرَ ، وَأَنَّ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ كَانَا بَعْدَ مُجَاوَزَتِهِ ، وَأَنَّ التَّصْرِيحَ بِمُجَاوَزَةِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ لَا يَجْعَلُ الْمُجَاوَزَةَ لِلْحَصْرِ وَإِنَّمَا هِيَ لِبَيَانِ الْمَعِيَّةِ وَالْمُصَاحَبَةِ ، فَإِنَّ الْقَوْمَ افْتَرَقُوا عِنْدَ النَّهَرِ فَسَبَقَ مَنْ لَمْ يَشْرَبْ وَالْتَفَّ حَوْلَ الْقَائِدِ وَجَاوَزُوا النَّهَرَ مَعَهُ ، وَتَخَلَّفَ الْآخَرُونَ قَلِيلًا لِلشُّرْبِ وَالِارْتِفَاقِ بِالْمَاءِ ، ثُمَّ جَاوَزُوا وَلَحِقُوا بِالْآخَرِينَ كَمَا عُلِمَ مِنْ مُحَاوَرَتِهِمْ مَعَهُمْ بِمَا ظَهَرَ بِهِ أَثَرُ مَا فِي نَفْسِ كُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمَا عَلَى لِسَانِهِ . وَمِنْ بَدِيعِ إِيجَازِ الْقُرْآنِ أَنْ يَحْذِفَ الشَّيْءَ وَيَأْتِيَ فِي السِّيَاقِ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ، وَأَنْ يَذْكُرَ الْقَوْمَ بِوَصْفٍ غَيْرِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ أَوْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت