فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 608

وُقُوعِ تِلْكَ الْوَقَائِعِ وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ كَاتِبَهُ ، وَإِنَّنَا نَرَى الْمُؤَرِّخِينَ فِي زَمَانِنَا يَغْلَطُونَ بِمَا يَقَعُ فِي عَهْدِهِمْ غَلَطًا أَبْعَدَ مِنْ هَذَا الْغَلَطِ فِي إِسْنَادِ الشَّيْءِ إِلَى غَيْرِ فَاعِلِهِ ، وَتَقْدِيمِهِ أَوْ تَأْخِيرِهِ عَنْ زَمَنِهِ . وَكَمَا فَاتَ مُؤَرِّخِي بَنِي إِسْرَائِيلَ تَحْرِيرُ الْوَقَائِعِ وَالْحَوَادِثِ بِالتَّدْقِيقِ فَاتَهُمْ مَا فِيهَا مِنَ الْعِبَرِ وَالْحِكَمِ ، فَأَيْنَ مَا نَقَلْنَاهُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْقِصَّةِ عَنْهُمْ مِمَّا تَجِدُهُ فِي عِبَارَةِ الْقُرْآنِ مِنْ صُنُوفِ الْعِبْرَةِ ؟ فَالْحَقُّ مَا قَالَهُ اللهُ تَعَالَى فِي مَسْأَلَةِ النَّهَرِ وَغَيْرِهَا ، وَلَا يُعْتَبَرُ مَا خَالَفَهُ مِنْ أَقْوَالِ سَائِرِ الْكُتُبِ مُعَارِضًا لَهُ فَيَحْتَاجُ إِلَى التَّوْفِيقِ أَوِ الْجَوَابِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مُقَدِّمَةِ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْقِصَّةِ . وَاللهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ .

(وَلَمَّا بَرَزُوا) أَيْ: لَمَّا ظَهَرَ طَالُوتُ وَجُنُودُهُ بِالْبَرَازِ ، وَهِيَ بِالْفَتْحِ مَا اسْتَوَى مِنَ الْأَرْضِ (لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ) وَهُمْ أَعْدَاؤُهُ الْفِلَسْطِينِيُّونَ (قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) أَيْ: لَجَأَ قَوْمُ طَالُوتَ الْمُؤْمِنُونَ إِلَى اللهِ تَعَالَى يَدْعُونَهُ بِأَنْ يُفْرِغَ عَلَى قُلُوبِهِمُ الصَّبْرَ ، وَيُثَبِّتَ أَقْدَامَهُمْ فِي مَوَاقِعِ الْقِتَالِ بِثَبَاتِ قُلُوبِهِمْ وَاطْمِئْنَانِهَا بِالْإِيمَانِ وَالثِّقَةِ بِهِ ، وَيَنْصُرَهُمْ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ ، الَّذِينَ تَعَلَّقَتْ قُلُوبُهُمْ بِالْأَوْهَامِ .

وَهَذِهِ الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ بَعْضُهَا مُرَتَّبٌ عَلَى بَعْضٍ بِحَسَبِ الْأَسْبَابِ الْغَالِبَةِ ، فَالصَّبْرُ سَبَبٌ لِلثَّبَاتِ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ النَّصْرِ ، وَأَجْدَرُ النَّاسِ بِالصَّبْرِ الْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ الْغَالِبِ عَلَى أَمْرِهِ ، كَمَا سَنُوَضِّحُهُ بَعْدَ تَمَامِ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَاتِ .

(فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ) أَيْ: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ مَا سَأَلُوا بِبَرَكَةِ التَّوَجُّهِ إِلَيْهِ ، وَتَذَكُّرِهِمْ مَا يُؤْمِنُونَ بِهِ مِنْ قُوَّتِهِ الَّتِي لَا تُغَالَبُ فَهَزَمُوهُمْ ، أَيْ كَسَرُوهُمْ كَسْرَةً انْتَهَتْ بِدَفْعِهِمْ مِنَ الْمَعْرَكَةِ ، وَهَرَبِهِمْ مِنْهَا بِإِرَادَتِهِ الْمُنْفِذَةِ لِسُنَّتِهِ فِي نَصْرِ الْمُؤْمِنِينَ الصَّابِرِينَ الثَّابِتِينَ ، عَلَى الْكَافِرِينَ (وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ) قَالُوا: إِنَّ جَالُوتَ جَبَّارُ الْفِلَسْطِينِيِّينَ طَلَبَ الْبَرَازَ فَلَمْ يَجْرُؤْ أَحَدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مُبَارَزَتِهِ حَتَّى إِنَّ طَالُوتَ جَعَلَ لِمَنْ يَقْتُلُهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ ، وَيُحَكِّمَهُ فِي مُلْكِهِ ، ثُمَّ بَرَزَ لَهُ دَاوُدُ بْنُ يَسَى ، وَكَانَ غُلَامًا يَرْعَى الْغَنَمَ ، وَلَمْ يَقْبَلْ أَنْ يَلْبَسَ دِرْعًا وَلَا أَنْ يَحْمِلَ سِلَاحًا، بَلْ حَمَلَ مِقْلَاعَهُ وَحِجَارَتَهُ ، فَسَخِرَ مِنْهُ جَالُوتُ وَاحْتَمَى عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَسْتَعِدَّ لَهُ ، وَقَالَ: هَلْ أَنَا كَلْبٌ فَتَخْرُجُ إِلَيَّ بِالْمِقْلَاعِ ؟ فَرَمَاهُ دَاوُدُ بِمِقْلَاعِهِ فَأَصَابَ الْحَجَرُ رَأْسَهُ فَصَرَعَهُ فَدَنَا مِنْهُ فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ ، وَجَاءَ بِهِ فَأَلْقَاهُ إِلَى طَالُوتَ فَعُرِفَ دَاوُدُ ، وَكَانَ لَهُ الشَّأْنُ الَّذِي وَرِثَ بِهِ مُلْكَ إِسْرَائِيلَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ) فَسَّرُوا الْحِكْمَةَ هُنَا بِالنُّبُوَّةِ ، وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنْ تُفَسَّرَ بِالزَّبُورِ الَّذِي أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيْهِ ،كَمَا قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: (وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا) (4: 163) وَبِهِ كَانَ نَبِيًّا ، وَأَمَّا تَعْلِيمُهُ مِمَّا يَشَاءُ فَهُوَ صَنْعَةُ الدُّرُوعِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ) (21: 80) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت