فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 608

لقد صاروا قلة. وهم يعلمون قوة عدوهم وكثرته: بقيادة جالوت. إنهم مؤمنون لم ينكصوا عن عهدهم مع نبيهم. ولكنهم هنا أمام الواقع الذي يرونه بأعينهم فيحسون أنهم أضعف من مواجهته. إنها التجربة الحاسمة. تجربة الاعتزاز بقوة أخرى أكبر من قوة الواقع المنظور. وهذه لا يصمد لها إلا من اكتمل إيمانهم ، فاتصلت باللّه قلوبهم وأصبحت لهم موازين جديدة يستمدونها من واقع إيمانهم ، غير الموازين التي يستمدها الناس من واقع حالهم! وهنا برزت الفئة المؤمنة. الفئة القليلة المختارة. والفئة ذات الموازين الربانية: «قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ. وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ» ..هكذا .. «كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً» .. بهذا التكثير. فهذه هي القاعدة في حس الذين يوقنون أنهم ملاقو اللّه. القاعدة: أن تكون الفئة المؤمنة قليلة لأنها هي التي ترتقي الدرج الشاق حتى تنتهي إلى مرتبة الاصطفاء والاختيار. ولكنها تكون الغالبة لأنها تتصل بمصدر القوى ولأنها تمثل القوة الغالبة. قوة اللّه الغالب على أمره ، القاهر فوق عباده ، محطم الجبارين ، ومخزي الظالمين وقاهر المتكبرين.

وهم يكلون هذا النصر للّه: «بِإِذْنِ اللَّهِ» .. ويعللونه بعلته الحقيقية: «وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ» .. فيدلون بهذا كله على أنهم المختارون من اللّه لمعركة الحق الفاصلة بين الحق والباطل ..

ونمضي مع القصة. فإذا الفئة القليلة الواثقة بلقاء اللّه ، التي تستمد صبرها كله من اليقين بهذا اللقاء ، وتستمد قوتها كلها من إذن اللّه ، وتستمد يقينها كله من الثقة في اللّه ، وأنه مع الصابرين ..

إذا هذه الفئة القليلة الواثقة الصابرة ، الثابتة ، التي لم تزلزلها كثرة العدو وقوته ، مع ضعفها وقلتها .. إذا هذه الفئة هي التي تقرر مصير المعركة. بعد أن تجدد عهدها مع اللّه ، وتتجه بقلوبها إليه ، وتطلب النصر منه وحده ، وهي تواجه الهول الرعيب: «وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا: رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا ، وَثَبِّتْ أَقْدامَنا ، وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ. فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ ، وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ ، وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ» ..

هكذا .. «رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا» .. وهو تعبير يصور مشهد الصبر فيضا من اللّه يفرغه عليهم فيغمرهم ، وينسكب عليهم سكينة وطمأنينة واحتمالا للهول والمشقة. «وَثَبِّتْ أَقْدامَنا» .. فهي في يده - سبحانه - يثبتها فلا تتزحزح ولا تتزلزل ولا تميد. «وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ» .. فقد وضح الموقف .. إيمان تجاه كفر. وحق إزاء باطل. ودعوة إلى اللّه لينصر أولياءه المؤمنين على أعدائه الكافرين. فلا تلجلج في الضمير ، ولا غبش في التصور ، ولا شك في سلامة القصد ووضوح الطريق.

وكانت النتيجة هي التي ترقبوها واستيقنوها: «فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ» .. ويؤكد النص هذه الحقيقة: «بِإِذْنِ اللَّهِ» .. ليعلمها المؤمنون أو ليزدادوا بها علما. وليتضح التصور الكامل لحقيقة ما يجري في هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت