ذَلِكَ بَقَاءَهَا عَلَيْهِمْ . وَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ مِنَ الْجِزْيَةِ كَوْنُهُمْ تَابِعِينَ لِغَيْرِهِمْ يُؤَدُّونَ إِلَيْهِ مَا يَضْرِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمَالِ وَادِعِينَ سَاكِنِينَ فَهَذَا الْوَصْفُ صَادِقٌ عَلَى الْيَهُودِ إِلَى الْيَوْمِ فِي كُلِّ بِقَاعِ الْأَرْضِ ، وَأَمَّا الذُّلُّ فَقَدْ كَانَ ارْتَفَعَ عَنْهُمْ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ ، وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ وُجُوبِ مُعَامَلَتِهِمْ بِالْمُسَاوَاةِ وَاحْتِرَامِ دِمَائِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ، وَالْتِزَامِ حِمَايَتِهِمْ وَالذَّوْدِ عَنْهُمْ بَعْدَ إِنْقَاذِهِمْ مِنْ ظُلْمِ حُكَّامِهِمُ السَّابِقِينَ الظَّالِمِينَ ، وَبِحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ بِمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ ، ثُمَّ ارْتَفَعَ عَنْهُمْ فِيمَا عَدَا رُوسْيَا مِنْ بِلَادِ أُورُبَّا بِحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ ، وَهِيَ قَوَانِينُهُمُ الَّتِي تُسَاوِي بَيْنَ رَعَايَهُمْ فِي بِلَادِهِمْ ، عَلَى أَنَّ لَهُمْ أَعْدَاءً فِي أُورُبَّا وَقَدْ يَبْخَلُونَ عَلَيْهِمْ فِي أَلْمَانْيَا بِلَقَبِ الْأَلْمَانِيِّ وَيُعَبِّرُونَ عَنْهُمْ بِلَقَبِ الْيَهُودِيِّ .
وَهَلْ تَرْتَفِعُ عَنْهُمُ الْمَسْكَنَةُ فَيَكُونُ لَهُمْ مُلْكٌ وَسُلْطَانٌ فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ ؟
الْجَوَابُ عَنْ هَذَا يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى بَسْطٍ ، فَأَمَّا مِنَ الْجِهَةِ الدِّينِيَّةِ فَهُمْ يَقُولُونَ بِأَنَّهُمْ مُبَشَّرُونَ بِذَلِكَ بِظُهُورِ مَسِيحِ"مسيا"فِيهِمْ وَمَعْنَاهُ ذُو الْمُلْكِ وَالشَّرِيعَةِ ، وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ: إِنَّ هَذَا الْمَوْعُودَ بِهِ هُوَ الْمَسِيحُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَالْمُرَادُ بِالْمُلْكِ الَّذِي يَجِيءُ بِهِ: الْمُلْكُ الرُّوحَانِيُّ الْمَعْنَوِيُّ . وَفِي إِنْجِيلِ بَرْنَابَا عَنِ الْمَسِيحِ: أَنَّ ذَلِكَ الْمَوْعُودَ بِهِ هُوَ مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - أَيْ فَهُوَ الَّذِي جَاءَ بِالنُّبُوَّةِ الَّتِي اسْتَتْبَعَتِ الْمُلْكَ . وَمَحَلُّ هَذَا الْبَحْثِ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ - تَعَالَى - فِيهِمْ: عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا [17: 8] فَإِنَّهُ ذَكَرَ هَذَا بَعْدَ ذِكْرِ إِفْسَادِهِمْ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَتَسْلِيطِ الْأُمَمِ عَلَيْهِمْ ، وَأَمَّا مِنَ الْجِهَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ فَيُبْحَثُ فِيهِ عَنْ تَفَرُّقِهِمْ فِي الْأَرْضِ عَلَى قِلَّتِهِمْ ، وَعَنِ انْصِرَافِهِمْ عَنْ فُنُونِ الْحَرْبِ وَأَعْمَالِهِمْ ، وَضَعْفِهِمْ فِي الْأَعْمَالِ الزِّرَاعِيَّةِ لِعِنَايَتِهِمْ بِجَمْعِ الْمَالِ مِنْ أَقْرَبِ الْمَوَارِدِ وَأَكْثَرِهَا نَمَاءً وَأَقَلِّهَا عَنَاءً كَالرِّبَا . وَلَا مَحَلَّ هُنَا لِتَفْصِيلِ ذَلِكَ وَبَيَانِ عَلَاقَتِهِ بِالْمُلْكِ .
ثُمَّ عَلَّلَ - تَعَالَى - هَذَا الْجَزَاءَ وَبَيَّنَ سَبَبَهُ فَقَالَ: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَتَقَدَّمَ مِثْلُهُ فِي الْبَقَرَةِ: أَيْ ذَلِكَ الَّذِي ذُكِرَ مِنْ ضَرْبِ الذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ عَلَيْهِمْ ، وَخِلَافَتِهِمْ بِالْغَضَبِ الْإِلَهِيِّ ، بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ تُعْطِيهِمْ إِيَّاهُ شَرِيعَتُهُمْ . وَفِي التَّنْصِيصِ عَلَى كَوْنِ ذَلِكَ بِغَيْرِ حَقٍّ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ تَغْلِيظٌ عَلَيْهِمْ وَتَشْنِيعٌ عَلَى تَحَرِّيهِمُ الْبَاطِلَ وَكَوْنِ ذَلِكَ عَنْ عَمْدٍ لَا عَنِ الْخَطَأِ . ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ هَذَا الْكُفْرِ وَالْعُدْوَانِ الشَّنِيعِ فَقَالَ: ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ أَيْ جَرَّأَهُمْ عَلَى ذَلِكَ سَبْقُ الْمَعَاصِي وَالِاسْتِمْرَارُ عَلَى الِاعْتِدَاءِ فَتَدَرَّجُوا مِنَ الصَّغَائِرِ إِلَى الْكَبَائِرِ إِلَى أَكْبَرِ الْمُوبِقَاتِ وَهُوَ الْكُفْرُ وَقَتْلُ الْأَنْبِيَاءِ الْمُرْشِدِينَ وَالْهُدَاةِ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ، فَصَارَ هَذَا الْعِصْيَانُ وَالِاعْتِدَاءُ خُلُقًا لِلْأُمَّةِ وَطَبْعًا لَهَا يَتَوَارَثُهُ الْأَبْنَاءُ عَنِ الْآبَاءِ بِلَا نَكِيرٍ ; وَلِهَذَا نُسِبَ إِلَى مُتَأَخِّرِيهِمْ عَمَلُ مُتَقَدِّمِيهِمْ ، وَالْأُمَمُ مُتَكَافِلَةٌ يُنْسَبُ إِلَى مَجْمُوعِهَا مَا فَشَا فِيهِمْ وَإِنْ ظَهَرَ بَعْضُ آثَارِهِ فِي زَمَنٍ دُونَ زَمَنٍ ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ .