فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 608

أَسْبَابِ الْبَلَاءِ وَالْخِذْلَانِ ، وَأَنَّ الطَّاعَةَ وَالثَّبَاتَ وَالِاسْتِقَامَةَ مِنْ أَسْبَابِ النَّصْرِ وَالْفَلَاحِ ; وَلِذَلِكَ سَأَلُوا اللهَ أَنْ يَمْحُوَ مِنْ نُفُوسِهِمْ أَثَرَ كُلِّ ذَنْبٍ وَإِسْرَافٍ ، وَأَنْ يُوَفِّقَهُمْ إِلَى دَوَامِ الثَّبَاتِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الدُّعَاءَ وَالتَّوَجُّهَ إِلَى اللهِ - تَعَالَى - فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ مِمَّا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ الْمُجَاهِدَ قُوَّةً وَعَزِيمَةً وَمُصَابَرَةً لِلشَّدَائِدِ ; وَلِذَلِكَ يَعْتَرِفُ عُلَمَاءُ النَّفْسِ وَالْأَخْلَاقِ بِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ أَشَدُّ صَبْرًا وَثَبَاتًا فِي الْقِتَالِ مِنَ الْجَاحِدِينَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ [2: 250] الْآيَةَ .

فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا بِالنَّصْرِ وَالظَّفَرِ بِالْعَدُوِّ ، وَالسِّيَادَةِ فِي الْأَرْضِ ، وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنَ الْكَرَامَةِ وَالْعِزَّةِ ، وَحُسْنِ الْأُحْدُوثَةِ وَشَرَفِ الذِّكْرِ وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ بِنَيْلِ رِضْوَانِ اللهِ وَقُرْبِهِ ، وَالنَّعِيمِ بِدَارِ كَرَامَتِهِ ، وَهُوَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ - كَمَا وَرَدَ فِي الْخَبَرِ - أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [32: 17] وَمَا آتَاهُمْ ذَلِكَ إِلَّا بِحُسْنِ إِرَادَتِهِمْ ، وَمَا كَانَ لَهَا مِنْ حُسْنِ الْأَثَرِ فِي نُفُوسِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ ، إِذَا أَتَوُا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ، وَلَبَّوُا الْمَقَاصِدَ بِأَسْبَابِهَا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ لِأَنَّهُمْ خُلَفَاؤُهُ فِي الْأَرْضِ يُقِيمُونَ سُنَّتَهُ ، وَيُظْهِرُونَ بِأَنْفُسِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ حِكْمَتَهُ ، فَيَكُونُ عَمَلُهُمْ لِلَّهِ بِاللهِ كَمَا وَرَدَ فِي صِفَةِ الْعَبْدِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللهُ"فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا"أَيْ إِنَّ مَشَاعِرَهُ وَأَعْمَالَهُ لَا تَكُونُ مَشْغُولَةً إِلَّا بِمَا يُرْضِي اللهَ وَيُقِيمُ سُنَنَهُ وَيُظْهِرُ حِكَمَهُ فِي خَلْقِهِ .

وَإِنَّمَا جَمَعَ لَهُمْ بَيْنَ ثَوَابِ الدُّنْيَا وَحُسْنِ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ; لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا بِعَمَلِهِمْ سَعَادَةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَإِنَّمَا الْجَزَاءُ عَلَى حُسْنِ الْإِرَادَةِ ، وَهَذَا هُوَ شَأْنُ الْمُؤْمِنِ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا (ص138) وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَىُ الْغَالِينَ فِي الزُّهْدِ ، وَخَصَّ ثَوَابَ الْآخِرَةِ بِالْحُسْنِ لِلْإِيذَانِ بِفَضْلِهِ وَمَزِيَّتِهِ وَأَنَّهُ الْمُعْتَدُّ بِهِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى ، كَذَا قَالُوا . وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: ثَوَابُ هَؤُلَاءِ حَسَنٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَلَكِنْ ذِكْرُ الْحُسْنِ فِي ثَوَابِ الْآخِرَةِ مَزِيدٌ فِي تَعْظِيمِ أَمْرِهِ ، وَتَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ ثَوَابٌ لَا يَشُوبُهُ أَذًى ، ؟ فَلَيْسَ مِثْلَ ثَوَابِ الدُّنْيَا عُرْضَةً لِلشَّوَائِبِ وَالْمُنَغِّصَاتِ ، وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى مَا أَثْبَتَتْهُ الْآيَةُ بِمِثْلِ وَقْعَتَيِ الرَّجِيعِ وَبِئْرِ مَعُونَةَ مِنْ حَيْثُ إِنَّ مَنْ قُتِلُوا هُنَالِكَ لَمْ يُؤْتَوْا ثَوَابَ الدُّنْيَا ; فَإِنَّ إِيثَارَ ثَوَابِ الدُّنْيَا مَشْرُوطٌ بِاتِّبَاعِ السُّنَنِ وَالْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ ، وَفِي وَقْعَةِ الرَّجِيعِ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي النُّزُولِ عَلَى حُكْمِ الْمُشْرِكِينَ ، فَكَانَ ذَلِكَ تَقْصِيرًا مِنْهُمْ ، وَفِي وَقْعَةِ بِئْرِ مَعُونَةَ قَدْ قَصَّرُوا فِي الِاحْتِيَاطِ إِذْ أَمِنُوا لِمَنْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُؤْمَنَ لَهُمْ ، فَكَانَ ذَلِكَ جَزَاءَ التَّقْصِيرِ وَمَوْعِظَةً لِلْمُؤْمِنِينَ لِيَكُونُوا دَائِمًا حَذِرِينَ مُحْتَاطِينَ غَيْرَ مُقَصِّرِينَ وَلَا مُسْرِفِينَ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت