إِنَّ"مِنْ"لِلتَّبْعِيضِ وَقَالَ هِيَ فِي مَحَلِّهَا ; لِأَنَّ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ مَنْ لَمْ يَخْرُجْ مَعَهُ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى"حَمْرَاءِ الْأَسَدِ"أَيْ وَهُمْ مِنَ الَّذِينَ لَا يُضَيِّعُ اللهُ أَجْرَهُمْ ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَحِقُّونَ الْأَجْرَ الْعَظِيمَ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَهُ وَهُمْ مُثْقَلُونَ بِالْجِرَاحِ وَمُرْهَقُونَ مِنَ الْإِعْيَاءِ إِلَى اسْتِئْنَافِ قِتَالِ أَضْعَافِهِمْ مِنَ الْأَقْوِيَاءِ .
أَقُولُ: فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ"مِنْهُمْ"رَاجِعٌ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لِلْمُؤْمِنِينَ لَا لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا ،وَهُوَ لَا يَظْهَرُ إِلَّا إِذَا جَعَلْنَا قَوْلَهُ: الَّذِينَ اسْتَجَابُوا مَنْصُوبًا عَلَى الْمَدْحِ ، وَالْجُمْلَةُ الْمَدْحِيَّةُ مُعْتَرِضَةٌ - قَالَ الْأُسْتَاذُ: وَثَمَّ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ وُجِدَ فِي نُفُوسِ بَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ أُحُدٍ شَيْءٌ مِنَ الضَّعْفِ ، فَهَذِهِ الْآيَاتُ كُلُّهَا تَأْدِيبٌ لَهُمْ ، وَلَمَّا دَعَاهُمْ - صلى الله عليه وسلم - لِلْخُرُوجِ لَبَّوْا وَاسْتَجَابُوا لَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، وَلَكِنْ عَرَضَ لِبَعْضِهِمْ عِنْدَ الْخُرُوجِ بِالْفِعْلِ مَوَانِعُ فِي أَنْفُسِهِمْ أَوْ أَهْلِيهِمْ فَلَمْ يَخْرُجُوا ، فَأَرَادَ مَنِ الَّذِينَ أَحْسَنُوا وَاتَّقَوْا: الَّذِينَ خَرَجُوا بِالْفِعْلِ وَهُمْ بَعْضُ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا . وَالْإِحْسَانُ: أَنْ يَعْمَلَ الْإِنْسَانُ الْعَمَلَ عَلَى أَكْمَلِ وُجُوهِهِ الْمُمْكِنَةِ . وَالتَّقْوَى أَنْ يَتَّقِيَ الْإِسَاءَةَ وَالتَّقْصِيرَ فِيهِ .
أَقُولُ: وَهَذَا الْوَجْهُ أَظْهَرُ الْوُجُوهِ وَأَحْسَنُهَا .
وَمِمَّا أَشَارَ إِلَيْهِ الْأُسْتَاذُ مَا رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُ لَمَّا أَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِطَلَبِ الْعَدُوِّ"وَأَلَّا يَخْرُجَ مَعَنَا إِلَّا مِنْ حَضَرَ يَوْمَنَا بِالْأَمْسِ"كَلَّمَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَرَامٍ فَقَالَ"يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَبَى كَانَ خَلَّفَنِي عَلَى أَخَوَاتٍ لِي سَبْعٍ وَقَالَ: يَا بُنَيَّ لَا يَنْبَغِي لِي وَلَا لَكَ أَنْ نَتْرُكَ هَؤُلَاءِ النِّسْوَةِ لَا رَجُلَ فِيهِنَّ ، وَلَسْتُ بِالَّذِي أُوثِرُكَ بِالْجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى نَفْسِي فَتَخَلَّفْ عَلَى أَخَوَاتِكَ . فَتَخَلَّفَ عَلَيْهِنَّ ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -". فَلْيَعْتَبِرِ الْمُسْلِمُونَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي أُولَئِكَ الْأَبْرَارِ الْأَخْيَارِ الَّذِينَ بَذَلُوا أَمْوَالَهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ، وَكَيْفَ جَاءَ وَعْدُهُمْ بِالْأَجْرِ مَقْرُونًا بِوَصْفِ الْإِحْسَانِ وَالتَّقْوَى ، وَأَنَّى يَعْتَبِرُ الْمَغْرُورُونَ الْمُسِيئُونَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ مَانِعُونَ ، وَالَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِأَنْفُسِهِمْ فَلَا يَبْذُلُونَهَا فِي سَبِيلِ الْحَقِّ وَلَا يَتْعَبُونَ ، وَالَّذِينَ يَقُولُونَ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْمَلُونَ ، وَالَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ الْمُبْطِلِينَ وَيَنْصُرُونَ ، وَيُشَاقُّونَ أَهْلَ الْحَقِّ وَيَخْذُلُونَ ، وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ ! أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ .
الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ: هُمُ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ فَخَرَجُوا إِلَى حَمْرَاءِ الْأَسَدِ لِلِقَاءِ الْمُشْرِكِينَ إِذْ عَادَ بِهِمْ أَبُو سُفْيَانَ لِاسْتِئْصَالِهِمْ وَكَانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا كَمَا تَقَدَّمَ ، وَلَكِنْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وقَتَادَةَ وَعِكْرِمَةَ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ الصُّغْرَى ، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ قَالَ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَنْصَرِفَ مِنْ أُحُدٍ: يَا مُحَمَّدُ مَوْعِدُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْسِمُ بَدْرٍ الْقَابِلُ إِنْ شِئْتَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: ذَلِكَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ إِنْ شَاءَ اللهُ (كَمَا تَقَدَّمَ) فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْقَابِلُ خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ فِي أَهْلِ مَكَّةَ حَتَّى نَزَلَ"مَجَنَّةً"مِنْ نَاحِيَةِ"مَرِّ الظَّهْرَانِ"وَقِيلَ بَلَغَ""