وَعَيْنِ الْيَقِينِ . فَالِارْتِقَاءُ مِنْ دَرَجَةٍ إِلَى أُخْرَى زِيَادَةٌ فِي نَفْسِ الْيَقِينِ . وَيُرْوَى عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ:"لَوْ كُشِفَ الْغِطَاءُ مَا ازْدَدْتُ يَقِينًا"وَهَذَا الْقَوْلُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْيَقِينَ يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ فِي نَفْسِهِ ، وَمَنْ أَيْقَنَ بِأَنَّ فُلَانًا طَبِيبٌ مَاهِرٌ لِأَنَّهُ رَآهُ نَجَحَ فِي مُعَالَجَةِ بَعْضِ الْمَرْضَى يَضْعُفُ يَقِينُهُ إِذَا رَآهُ خَابَ فِي مُعَالَجَةِ آخَرِينَ ، وَيَزْدَادُ إِذَا رَآهُ يَنْجَحُ آوِنَةً بَعْدَ أُخْرَى - وَلَا سِيَّمَا - فِي مُعَالَجَةِ الْأَمْرَاضِ الْبَاطِنِيَّةِ الَّتِي يَعْسُرُ تَشْخِيصُهَا .
ثُمَّ إِنَّ فَائِدَةَ الْإِيمَانِ إِنَّمَا تَكُونُ بِإِذْعَانِ النَّفْسِ الَّذِي يُحَرِّكُ فِيهَا الْخَوْفَ وَالرَّجَاءَ وَغَيْرَهُمَا مِنْ وِجْدَانَاتِ الدِّينِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا تَرْكُ الْمُنْكَرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَفِعْلِ الْمَعْرُوفِ الْمَأْمُورِ بِهِ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلدِّينِ فَائِدَةٌ فِي إِصْلَاحِ حَالِ الْبَشَرِ . وَهَلْ يَقُولُ عَاقِلٌ إِنَّ الْإِذْعَانَ وَالْخَوْفَ وَالرَّجَاءَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا تَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ ؟ أَمَا إِنَّهُ لَوْ
كَانَ إِذْعَانُ جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ لَتَسَاوَوْا فِي الْأَعْمَالِ وَلَكِنَّهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِيهَا تَفَاوُتًا عَظِيمًا كَمَا هُوَ ثَابِتٌ بِالْمُشَاهَدَةِ ، فَثَبَتَ أَنَّهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِي مَنْشَئِهَا مِنَ النَّفْسِ وَهُوَ الْإِذْعَانُ الَّذِي يَقْوَى وَيَضْعُفُ بِالتَّبَعِ لِلْإِيمَانِ ، وَهَذَا عَيْنُ قَبُولِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ .
وَمِنْ هُنَا نَفْهَمُ مَعْنَى إِدْخَالِ السَّلَفِ الصَّالِحِ الْأَعْمَالَ فِي مَفْهُومِ الْإِيمَانِ ، فَإِنَّ كُلَّ اعْتِقَادٍ لَهُ أَثَرٌ فِي النَّفْسِ يَتْبَعُهُ عَمَلٌ مِنَ الْأَعْمَالِ ، فَهِيَ سِلْسِلَةٌ مُؤَلَّفَةٌ مِنْ ثَلَاثِ حَلَقَاتٍ يُحَرِّكُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، وَالْإِمَامُ الْغَزَّالِيُّ يُعَبِّرُ عَنْهَا بِالْعِلْمِ وَالْحَالِ وَالْعَمَلِ ، فَيَقُولُ: إِنَّ الْعِلْمَ بِأَنَّ كَذَا يُرْضِي اللهَ - تَعَالَى - أَوْ كَذَا يُسْخِطُهُ مَثَلًا يُحْدِثُ فِي النَّفْسِ حَالًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا فِعْلُ مَا يُرْضِيهِ وَيَقْتَضِي مَثُوبَتَهُ ، وَتَرْكُ مَا يُسْخِطُهُ وَيَقْتَضِي عُقُوبَتَهُ . وَيَقُولُ: إِنَّ تَرَتُّبَ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ وَاجِبٌ . وَعِبَارَتُهُ: إِنَّ الْعِلْمَ يُوجِبُ الْحَالَ وَالْحَالُ يُوجِبُ الْعَمَلَ . فَارْجِعْ إِلَيْهِ فِي كِتَابِ التَّوْبَةِ وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ الْمُجَلَّدِ الرَّابِعِ مِنَ الْإِحْيَاءِ .
وَأَمَّا زِيَادَةُ الْإِيمَانِ بِزِيَادَةِ مُتَعَلِّقَاتِهِ وَهِيَ الْمَسَائِلُ الَّتِي يُؤْمِنُ بِهَا الْمُؤْمِنُ الَّتِي يُعَبَّرُ عَنْهَا بِشُعَبِ الْإِيمَانِ فَهِيَ ظَاهِرَةٌ لَا تَحْتَاجُ فِي بَيَانِهَا إِلَى شَرْحٍ طَوِيلٍ ; فَإِنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُتَلَقَّى إِلَّا بِالتَّدْرِيجِ فَكُلَّمَا تَلَقَّى الْمُؤْمِنُ مَسْأَلَةً مِنْهَا ازْدَادَ إِيمَانًا . وَلَيْسَ هَذَا خَاصًّا بِالْكَافِرِ الَّذِي يَدْخُلُ فِي الْإِسْلَامِ ، فَإِنَّ النَّاشِئَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ مِثْلُهُ فِي ذَلِكَ . وَلَيْسَتِ الْمَسَائِلُ الَّتِي تَزِيدُ الْإِنْسَانَ مَعْرِفَتُهَا إِيمَانًا مَحْصُورَةً فِي النُّصُوصِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الرَّسُولُ - صلى الله عليه وسلم - ; فَإِنَّ الْقُرْآنَ هَدَانَا إِلَى التَّفْكِيرِ وَالنَّظَرِ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لِنَزْدَادَ إِيمَانًا وَنَعْتَبِرَ وَنَسْتَفِيدَ ، وَذَلِكَ يَفْتَحُ لَنَا أَبْوَابًا مِنَ الْعِلْمِ بِاللهِ وَسُنَنِهِ لَا نِهَايَةَ لَهَا . فَكُلُّ مَا نَهْتَدِي إِلَيْهِ فِي بَحْثِنَا وَنَظَرِنَا مِنْ أَسْرَارِ الْكَائِنَاتِ وَسُنَنِ اللهِ - تَعَالَى - فِي الْمَخْلُوقَاتِ فَإِنَّا نَزْدَادُ بِهِ عِلْمًا بِاللهِ وَإِيمَانًا بِقُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ الْبَالِغَةِ ، وَقَدْ قَالَ - سُبْحَانَهُ - لِأَقْوَى النَّاسِ إِيمَانًا وَأَوْسَعِهِمْ عِلْمًا بِهِ وَبِسُنَّتِهِ: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [20: 114] وَكَذَلِكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ تَزِيدُ مَنْ يَتَلَقَّاهَا إِيمَانًا كُلَّمَا تَلَقَّى شَيْئًا مِنْهَا ، وَقَدْ