فهرس الكتاب

الصفحة 216 من 608

ولعل رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - شاء في الجانب الآخر ألا تمضي قريش ، وفي جوانحها ومشاعرها أخيلة النصر ومذاقاته. فمضى خلف قريش بالبقية ممن حضروا المعركة أمس يشعر قريشا أنها لم تنل من المسلمين منالا. وأنه بقي لها منهم من يتعقبها ويكر عليها ..

وقد تحققت هذه وتلك كما ذكرت روايات السيرة.

ولعل رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - شاء أن يشعر المسلمين ، وأن يشعر الدنيا كلها من ورائهم ، بقيام هذه الحقيقة الجديدة التي وجدت في هذه الأرض .. حقيقة أن هناك عقيدة هي كل شيء في نفوس أصحابها.

ليس لهم من أرب في الدنيا غيرها ، وليس لهم من غاية في حياتهم سواها. عقيدة يعيشون لها وحدها ، فلا يبقى لهم في أنفسهم شيء بعدها ، ولا يستبقون هم لأنفسهم بقية في أنفسهم لا يبذلونها لها ، ولا يقدمونها فداها ..

لقد كان هذا أمرا جديدا في هذه الأرض في ذلك الحين. ولم يكن بد أن تشعر الأرض كلها - بعد أن يشعر المؤمنون - بقيام هذا الأمر الجديد ، وبوجود هذه الحقيقة الكبيرة. ولم يكن أقوى في التعبير عن ميلاد هذه الحقيقة من خروج هؤلاء الذين استجابوا للّه والرسول من بعد ما أصابهم القرح. ومن خروجهم بهذه الصورة الناصعة الرائعة الهائلة: صورة التوكل على اللّه وحده وعدم المبالاة بمقالة الناس وتخويفهم لهم من جمع قريش لهم - كما أبلغهم رسل أبي سفيان - وكما هوّل المنافقون في أمر قريش وهو ما لا بد أن يفعلوا -: «الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيمانًا وَقالُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» ..

هذه الصورة الرائعة الهائلة كانت إعلانا قويا عن ميلاد هذه الحقيقة الكبيرة. وكان هذا بعض ما تشير إليه الخطة النبوية الحكيمة ..

وتحدثنا بعض روايات السيرة عن صور من ذلك القرح ومن تلك الاستجابة: قال محمد بن إسحاق: حدثني عبد اللّه بن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان أن رجلا من أصحاب رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - من بني عبد الأشهل كان قد شهد أحدا قال: شهدنا أحدا مع رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أنا وأخي ، فرجعنا جريحين. فلما أذن مؤذن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بالخروج في طلب العدو ، قلت لأخي - أو قال لي - أتفوتنا غزوة مع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم؟ - واللّه ما لنا من دابة نركبها ، وما منا إلا جريح ثقيل. فخرجنا مع رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وكنت أيسر جراحا منه ، فكان إذا غلب حملته عقبة .. حتى انتهيا إلى ما انتهى إليه المسلمون.

وقال محمد بن إسحاق: كان يوم أحد يوم السبت النصف من شوال ، فلما كان الغد من يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال ، أذن مؤذن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - في الناس بطلب العدو ، وأذن مؤذنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت