فهرس الكتاب

الصفحة 220 من 608

سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: بَيَّنَ اللهُ - تَعَالَى - حَالَ ضُعَفَاءِ الْإِيمَانِ الَّذِينَ يُبْطِئُونَ عَنِ الْقِتَالِ فِي سَبِيلِهِ ، ثُمَّ دَلَّهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى طَرِيقِ تَطْهِيرِ نُفُوسِهِمْ مِنْ ذَلِكَ الذَّنْبِ الْعَظِيمِ ذَنْبِ الْقُعُودِ عَنِ الْقِتَالِ ، وَلَوْ عَمِلُوا كُلَّ صَالِحٍ وَضَعُفَتْ نُفُوسُهُمْ عَنِ الْقِتَالِ لَمَا كَانَ ذَلِكَ مُكَفِّرًا لِخَطِيئَتِهِمْ ، وَسَبِيلُ اللهِ هِيَ طَرِيقُ الْحَقِّ وَالِانْتِصَارُ لَهُ ، فَمِنْهُ إِعْلَاءُ كَلِمَةَ اللهِ وَنَشْرُ دَعْوَةِ الْإِسْلَامِ ، وَمِنْهُ دِفَاعُ الْأَعْدَاءِ ، إِذَا هَدَّدُوا أَمْنَنَا ، أَوْ أَغَارُوا عَلَى أَرْضِنَا أَوْ نَهَبُوا أَمْوَالَنَا ، أَوْ صَادَرُونَا فِي تِجَارَتِنَا ، وَصَدُّونَا عَنِ اسْتِعْمَالِ حُقُوقِنَا مَعَ النَّاسِ ، فَسَبِيلُ اللهِ عِبَارَةٌ عَنْ تَأْيِيدِ الْحَقِّ الَّذِي قَرَّرَهُ ، وَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَ يَشْرُونَ بِمَعْنَى يَبِيعُونَ قَوْلًا وَاحِدًا بِلَا احْتِمَالٍ ، وَاسْتِعْمَالُ الْقُرْآنِ فِيهِ مُطَّرِدٌ فَفِي سُورَةِ يُوسُفَ: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ (12: 20) ، أَيْ: بَاعُوهُ ، وَقَالَ تَعَالَى: وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ (2: 102) ، أَيْ: بَاعُوهَا وَقَالَ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ (2: 207) ; أَيْ يَبِيعُهَا ، وَالْبَاءُ فِي صِيغَةِ الْبَيْعِ تَدْخُلُ عَلَى الثَّمَنِ دَائِمًا ، فَالْمَعْنَى: أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَيَبْذُلَهَا وَيَجْعَلَ الْآخِرَةَ ثَمَنًا لَهَا وَبَدَلًا عَنْهَا فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ .

أَقُولُ: إِنَّ الْمُفَسِّرِينَ ذَكَرُوا فِي يَشْرُونَ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بِمَعْنَى الْبَيْعِ كَمَا اخْتَارَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ بِمَعْنَى الِابْتِيَاعِ الَّذِي يُطْلَقُ عَلَيْهِ فِي عُرْفِنَا الْآنَ الشِّرَاءُ ، وَقَدْ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: إِنَّ شَرَى يَشْرِي يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى بَاعَ وَبِمَعْنَى ابْتَاعَ ، وَإِنَّ اللَّفْظَ فِي الْآيَةِ يَحْتَمِلُ الْمَعْنَيَيْنِ ، فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْبَيْعُ فَهُوَ لِلْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ الْكَامِلِينَ ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الِابْتِيَاعُ فَهُوَ لِأُولَئِكَ الْمُبْطِئِينَ لِيَتُوبُوا ، وَذَهَبَ الرَّاغِبُ إِلَى أَنَّ الشِّرَاءَ وَالْبَيْعَ إِنَّمَا يُسْتَعْمَلَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ فِي التَّعْبِيرِ عَنِ اسْتِبْدَالِ سِلْعَةٍ بِسِلْعَةٍ دُونَ اسْتِبْدَالِ سِلْعَةٍ بِدَرَاهِمَ ، وَالْقُرْآنُ اسْتَعْمَلَ لَفْظَ شَرَى يَشْرِي بِمَعْنَى بَاعَ يَبِيعُ ، وَاشْتَرَى يَشْتَرِي بِمَعْنَى ابْتَاعَ يَبْتَاعُ ، فَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ أَوِ الْفَصِيحُ وَإِنْ وَرَدَ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ:"شَرَيْتُ بُرْدًا"بِمَعْنَى اشْتَرَيْتُهُ فِي الشِّعْرِ بِدُونِ ذِكْرِ الثَّمَنِ ، وَقَدْ يُذْكَرُ الثَّمَنُ أَوِ الْبَدَلُ وَقَدْ يُسْكَتُ عَنْهُ وَهُوَ مَا تَدْخُلُ عَلَيْهِ الْبَاءُ دَائِمًا سَوَاءٌ اسْتُعْمِلَ الشِّرَاءُ أَوِ الْبَيْعُ فِي الْحِسِّيَّاتِ أَوِ الْمَعْنَوِيَّاتِ .

وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا أَيْ وَمَتَى كَانَ الْقِتَالُ فِي سَبِيلِ اللهِ - لَا لِأَجْلِ الْحَمِيَّةِ وَالْحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ - فَكُلُّ مَنْ قُتِلَ بِظَفَرِ عَدُوِّهِ بِهِ فَفَاتَهُ الِانْتِفَاعُ بِالْقِتَالِ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ اللهَ - تَعَالَى - يُعْطِيهِ فِي الْآخِرَةِ أَجْرًا عَظِيمًا بَدَلًا مِمَّا فَاتَهُ وَهُوَ إِذَا ظَفِرَ وَغَلَبَ عَدُوَّهُ لَا يَفُوتُهُ ذَلِكَ الْأَجْرُ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا نَالَهُ بِكَوْنِ قِتَالِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ وَهِيَ سَبِيلُ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ وَالْخَيْرِ لَا فِي سَبِيلِ الْهَوَى وَالطَّمَعِ ." [1] "

(1) - تفسير المنار - (5 / 209)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت