نَسْتَقِيلُ . فَنَزَلَتِ الْآيَةُ . وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي مُبَايَعَةِ الْأَنْصَارِ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَتَفْصِيلُهُ فِيمَا يَلِي وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِأَنَّهُ سَبَبُ النُّزُولِ .
وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ سَعْدَ بْنَ زُرَارَةَ أَخَذَ بِيَدِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَلْ تَدْرُونَ عَلَامَ تُبَايِعُونَ مُحَمَّدًا ؟ إِنَّكُمْ تُبَايِعُونَهُ عَلَى أَنْ تُحَارِبُوا الْعَرَبَ وَالْعَجَمَ وَالْجِنَّ وَالْإِنْسَ كَافَّةً . فَقَالُوا: نَحْنُ حَرْبٌ لِمَنْ حَارَبَ ، وَسِلْمٌ لِمَنْ سَالَمَ . فَقَالَ سَعْدُ بْنُ زُرَارَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ اشْتَرِطْ عَلَيَّ فَقَالَ: (( تُبَايِعُونِي عَلَى أَنْ تَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَتُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَتُؤْتُوا الزَّكَاةَ ، وَالسَّمْعَ وَالطَّاعَةَ ، وَلَا تُنَازِعُوا الْأَمْرَ أَهْلَهُ ، وَتَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ، قَالُوا: نَعَمْ ، قَالَ قَائِلُ الْأَنْصَارِ: نَعَمْ هَذَا لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ فَمَا لَنَا ؟ قَالَ: (( الْجَنَّةُ وَالنَّصْرُ ) ).
وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَكَانَ ذَا رَأْيٍ إِلَى السَّبْعِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ عِنْدَ الْعَقَبَةِ فَقَالَ الْعَبَّاسُ: لِيَتَكَلَّمْ مُتَكَلِّمُكُمْ وَلَا يُطِيلُ الْخُطْبَةَ فَإِنَّ عَلَيْكُمْ لِلْمُشْرِكِينَ عَيْنًا ، وَإِنْ يَعْلَمُوا بِكُمْ يَفْضَحُوكُمْ . فَقَالَ قَائِلُهُمْ ، وَهُوَ أَبُو أُمَامَةَ أَسْعَدُ: يَا مُحَمَّدُ سَلْ لِرَبِّكَ مَا شِئْتَ ، ثُمَّ سَلْ لِنَفْسِكَ وَلِأَصْحَابِكَ مَا شِئْتَ ، ثُمَّ أَخْبِرْنَا مَا لَنَا مِنَ الثَّوَابِ عَلَى اللهِ وَعَلَيْكُمْ إِذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ ، فَقَالَ: (( أَسْأَلُكُمْ لِرَبِّي أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَأَسْأَلُكُمْ لِنَفْسِي وَأَصْحَابِي أَنْ تُئْوُونَا وَتَنْصُرُونَا وَتَمْنَعُونَا مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ ) )
قَالَ: فَمَا لَنَا إِذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ ؟ قَالَ: الْجَنَّةُ . فَكَانَ الشَّعْبِيُّ إِذَا حَدَّثَ هَذَا الْحَدِيثَ قَالَ: مَا سَمِعَ الشَّيْبُ وَالشَّبَابُ بِخُطْبَةٍ أَقْصَرَ وَلَا أَبْلَغَ مِنْهَا .
وَمَعْنَى نُزُولِهَا فِي مُبَايَعَةِ الْأَنْصَارِ أَنَّهَا تَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْآيَةِ دُخُولًا أَوَّلِيًّا لَا أَنَّهَا خَاصَّةً بِهَا .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا (( مَنْ سَلَّ سَيْفَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ فَقَدْ بَايَعَ اللهَ ) )وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: مَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ إِلَّا وَقَدْ دَخَلَ فِي هَذِهِ الْبَيْعَةِ . وَفِي لَفْظٍ: اسْعَوْا إِلَى بَيْعَةٍ بَايَعَ اللهُ بِهَا كُلَّ مُؤْمِنٍ (إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ) وَلَكِنَّ الْعَجَبَ مِمَّنْ يَدَّعُونَ الْإِيمَانَ وَهُمْ يَنْكُثُونَ بَيْعَةَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَهُمْ لَا يَبْذُلُونَ أَنْفُسَهُمْ وَلَا شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ، وَإِنَّمَا يَطْلُبُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ ثَمَنِهَا كَمَا يَطْلُبُونَ سَعَادَةَ الدُّنْيَا وَسِيَادَتَهَا مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهَا ، وَلَا طَرِيقَ لَهَا إِلَّا الْجِهَادُ بِالْمَالِ وَالنَّفْسِ ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ وَهُوَ حُجَّةُ اللهِ الْبَالِغَةُ الَّتِي لَا يَدْحَضُهَا شَيْءٌ وَهِيَ تَدْحَضُ كُلَّ شَيْءٍ .
ثُمَّ وَصَفَ اللهُ تَعَالَى هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ الْبَائِعِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ لِلَّهِ تَعَالَى بِجَنَّتِهِ وَدَارِ كَرَامَتِهِ ، فَقَالَ: (التَّائِبُونَ) أَيْ هُمُ التَّائِبُونَ الْكَامِلُونَ فِي تَوْبَتِهِمْ وَهِيَ الرُّجُوعُ إِلَى اللهِ تَعَالَى عَنْ كُلِّ مَا يَبْعُدُ عَنْ مَرْضَاتِهِ