فهرس الكتاب

الصفحة 231 من 608

الَّذِينَ بَاعُوا أَنْفُسَهُمْ لِلَّهِ تَعَالَى هُمُ الْمُتَّصِفُونَ بِالصِّفَاتِ السَّبْعِ ، وَالْحَافِظُونَ مَعَ ذَلِكَ لِجَمِيعِ حُدُودِ اللهِ فِي كُلِّ أَمْرٍ وَنَهْيٍ ، وَيُعَبَّرُ عَنْ هَذَا فِي عُرْفِ هَذَا الْعَصْرِ بِقَوْلِهِمْ: (( الْمَثَلُ الْأَعْلَى ) )وَيُطْلِقُونَهُ عَلَى الْأَفْرَادِ النَّابِغِينَ فِي بَعْضِ الْفَضَائِلِ الْعَامَّةِ ، وَعَلَى الْجَمَاعَاتِ وَالْأُمَمِ الرَّاقِيَةِ ، وَيَكْفِي أَنْ يُقَالَ فِيهِ (( الْمَثَلُ ) )فِي كَذَا . كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا) (43: 57) وَقَالَ: (وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ) (43: 59) أَوْ يُقَالُ: مَثَلٌ عَالٍ ، أَوْ مَثَلٌ شَرِيفٌ . وَأَمَّا الْأَعْلَى فَهُوَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا قَالَ عَنْ نَفْسِهِ: (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى) (16: 60) وَقَالَ: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (30: 27) .

وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ فِيهِمْ أَنَّهُمُ الْحَافِظُونَ لِجَمِيعِ حُدُودِ اللهِ تَعَالَى . وَخُصَّتْ تِلْكَ الْخِلَالُ السَّبْعُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تُمَثَّلُ فِي نَفْسِ الْقَارِئِ أَكْمَلَ مَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ بِهِ مُحَافِظًا عَلَى حُدُودِ اللهِ تَعَالَى . [1]

وفي الظلال:"إن هذا النص يكشف عن حقيقة العلاقة التي تربط المؤمنين باللّه وعن حقيقة البيعة التي أعطوها - بإسلامهم - طوال الحياة. فمن بايع هذه البيعة ووفى بها فهو المؤمن الحق الذي ينطبق عليه وصف (المؤمن) وتتمثل فيه حقيقة الإيمان. وإلا فهي دعوى تحتاج إلى التصديق والتحقيق! حقيقة هذه البيعة - أو هذه المبايعة كما سماها اللّه كرما منه وفضلا وسماحة - أن اللّه - سبحانه - قد استخلص لنفسه أنفس المؤمنين وأموالهم فلم يعد لهم منها شيء .. لم يعد لهم أن يستبقوا منها بقية لا ينفقونها في سبيله."

لم يعد لهم خيار في أن يبذلوا أو يمسكوا .. كلا .. إنها صفقة مشتراة ، لشاريها أن يتصرف بها كما يشاء ، وفق ما يفرض ووفق ما يحدد ، وليس للبائع فيها من شيء سوى أن يمضي في الطريق المرسوم ، لا يتلفت ولا يتخير ، ولا يناقش ولا يجادل ، ولا يقول إلا الطاعة والعمل والاستسلام .. والثمن: هو الجنة .. والطريق: هو الجهاد والقتل والقتال .. والنهاية: هي النصر أو الاستشهاد: «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ، يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ» ..

من بايع على هذا. من أمضى عقد الصفقة. من ارتضى الثمن ووفى. فهو المؤمن .. فالمؤمنون هم الذين اشترى اللّه منهم فباعوا .. ومن رحمة اللّه أن جعل للصفقة ثمنا ، وإلا فهو واهب الأنفس والأموال ، وهو مالك الأنفس والأموال. ولكنه كرم هذا الإنسان فجعله مريدا وكرمه فجعل له أن يعقد العقود ويمضيها - حتى مع اللّه - وكرمه فقيده بعقوده وعهوده وجعل وفاءه بها مقياس إنسانيته الكريمة ونقضه لها هو مقياس ارتكاسه إلى عالم البهيمة: .. شر البهيمة .. «إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا

(1) - تفسير المنار - (11 / 39)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت