فهرس الكتاب

الصفحة 283 من 608

لَهُمْ: كُلُّ مَا يُصِيبُ النَّاسَ ، مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍ ، هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ، وَبِتَقْدِيرِهِ ، اخْتِبَارًا وَابْتِلاءً ، فَمَا لِهَؤُلاءِ القَائِلِينَ وَكَأَنَّهُمْ لاَ يَفْهَمُونَ مَا يَقُولُونَ ، وَلاَ مَا يُقَالُ لَهُمْ؟

يعجب الله - سبحانه - من أمر هؤلاء الناس؛ الذين كانوا يتدافعون حماسة إلى القتال ويستعجلونه وهم في مكة ، يتلقون الأذى والاضطهاد والفتنة من المشركين . حين لم يكن مأذونا لهم في القتال للحكمة التي يريدها الله . فلما أن جاء الوقت المناسب الذي قدره الله؛ وتهيأت الظروف المناسبة وكتب عليهم القتال - في سبيل الله - إذا فريق منهم شديد الجزع ، شديد الفزع ، حتى ليخشى الناس الذين أمروا بقتالهم - وهم ناس من البشر - كخشية الله ; القهار الجبار ، الذي لا يعذب عذابه أحد ، ولا يوثق وثاقه أحد . . { أو أشد خشية } !! وإذا هم يقولون - في حسرة وخوف وجزع - { ربنا لم كتبت علينا القتال؟ } . . وهو سؤال غريب من مؤمن . وهو دلالة على عدم وضوح تصوره لتكاليف هذا الدين؛ ولوظيفة هذا الدين أيضًا . . ويتبعون ذلك التساؤل ، بأمنية حسيرة مسكينة! { لولا أخرتنا إلى أجل قريب! } وأمهلتنا بعض الوقت ، قبل ملاقاة هذا التكليف الثقيل المخيف!

إن أشد الناس حماسة واندفاعًا وتهورًا ، قد يكونون هم أشد الناس جزعًا وانهيارًا وهزيمة عندما يجد الجد ، وتقع الواقعة .

.بل إن هذه قد تكون القاعدة! ذلك أن الاندفاع والتهور والحماسة الفائقة غالبًا ما تكون منبعثة عن عدم التقدير لحقيقة التكاليف . لا عن شجاعة واحتمال وإصرار . كما أنها قد تكون منبعثة عن قلة الاحتمال . قلة احتمال الضيق والأذى والهزيمة؛ فتدفعهم قلة الاحتمال ، إلى طلب الحركة والدفع والانتصار بأي شكل . دون تقدير لتكاليف الحركة والدفع والانتصار . . حتى إذا ووجهوا بهذه التكاليف كانت أثقل مما قدروا ، وأشق مما تصوروا . فكانوا أول الصف جزعًا ونكولًا وانهيارًا . . على حين يثبت أولئك الذين كانوا يمسكون أنفسهم ، ويحتملون الضيق والأذى بعض الوقت؛ ويعدون للأمر عدته ، ويعرفون حقيقة تكاليف الحركة ، ومدى احتمال النفوس لهذه التكاليف . فيصبرون ويتمهلون ويعدون للأمر عدته . . والمتهورون المندفعون المستحمسون يحسبونهم إذا ذاك ضعافًا ، ولا يعجبهم تمهلهم ووزنهم للأمور! وفي المعركة يتبين أي الفريقين أكثر احتمالًا؛ وأي الفريقين أبعد نظرًا كذلك!

وأغلب الظن أن هذا الفريق الذي تعنيه هذه الآيات كان من ذلك الصنف ، الذي يلذعه الأذى في مكة فلا يطيقه؛ ولا يطيق الهوان وهو ذو عزة . فيندفع يطلب من الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يأذن له بدفع الأذى ، أو حفظ الكرامة . والرسول - صلى الله عليه وسلم - يتبع في هذا أمر ربه بالتريث والانتظار ، والتربية والإعداد ، وارتقاب الأمر في الوقت المقدر المناسب . فلما أن أمن هذا الفريق في المدينة؛ ولم يعد هناك أذى ولا إذلال ، وبعد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت