فهرس الكتاب

الصفحة 285 من 608

وكان القرآن يعالج هذه الحالة بمنهجه الرباني: { قل: متاع الدنيا قليل ، والآخرة خير لمن اتقى ، ولا تظلمون فتيلًا . أينما تكونوا يدرككم الموت ، ولو كنتم في بروج مشيدة } . .

إنهم يخشون الموت ، ويريدون الحياة . ويتمنون في حسرة مسكينة! لو كان الله قد أمهلهم بعض الوقت؛ ومد لهم - شيئًا - في المتاع بالحياة!

والقرآن يعالج هذه المشاعر في منابتها؛ ويجلو غبش التصور لحقيقة الموت والأجل .

{ قل متاع الدنيا قليل } . .متاع الدنيا كله . والدنيا كلها . فما بال أيام ، أو أسابيع ، أو شهور ، أو سنين؟ ما قيمة هذا الإمهال لأجل قصير . إذا كان متاع الحياة الدنيا بطولها في جملته قليلا؟! ما الذي يملكون تحقيقه من المتاع في أيام ، أو أسابيع ، أو شهور ، أو سنين .ومتاع الدنيا كله والدنيا بطولها قليل!؟

{ والآخرة خير لمن اتقى } . .فالدنيا - أولًا - ليست نهاية المطاف ولا نهاية الرحلة . . إنها مرحلة . . ووراءها الآخرة والمتاع فيها هو المتاع - فضلًا على أن المتاع فيها طويل كثير - فهي { خير } . . { خير لمن اتقى } . . وتذكر التقوى هنا والخشية والخوف في موضعها . التقوى لله . فهو الذي يتقى ، وهو الذي يخشى . وليس الناس الناس . . الذين سبق أن قال: إنهم يخشونهم كخشية الله - أو أشد خشية! - والذي يتقي الله لا يتقي الناس . والذي يعمر قلبه الخوف من الله لا يخاف أحدًا . فماذا يملك له إذا كان الله لا يريد؟

{ ولا تظلمون فتيلًا } فلا غبن ولا ضير ولا بخس؛ إذا فاتهم شيء من متاع الدنيا . فهناك الآخرة . وهناك الجزاء الأوفى؛ الذي لا يبقى معه ظلم ولا بخس في الحساب الختامي للدنيا والآخرة جميعًا!

ولكن بعض الناس قد تهفو نفسه - مع هذا كله - إلى أيام تطول به في هذه الأرض! حتى وهو يؤمن بالآخرة ، وهو ينتظر جزاءها الخير . . وبخاصة حين يكون في المرحلة الإيمانية التي كانت فيها هذه الطائفة!

هنا تجيء اللمسة الأخرى . اللمسة التي تصحح التصور عن حقيقة الموت والحياة ، والأجل والقدر؛ وعلاقة هذا كله بتكليف القتال ، الذي جزعوا له هذا الجزع ، وخشوا الناس فيه هذه الخشية!

{ أينما تكونوا يدرككم الموت ، ولو كنتم في بروج مشيدة } . .فالموت حتم في موعده المقدر . ولا علاقة له بالحرب والسلم . ولا علاقة له بحصانة المكان الذي يحتمي به الفرد أو قلة حصانته . ولا يؤخره أن يؤخر عنهم تكليف القتال إذن؛ ولا هذا التكليف والتعرض للناس في الجهاد يعجله عن موعده . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت