وهو موقف تجتمع فيه العبرة النفسية إلى الجمال الفني , على طريقة القرآن في التعبير .
ولقد وعى المسلمون هذا الدرس - مما قصه الله عليهم من القصص - فحين واجهوا الشدة وهم قلة أمام نفير قريش في غزوة بدر , قالوا لنبيهم - صلى الله عليه وسلم - إذن لا نقول لك يا رسول الله ما قاله بنو إسرائيل لنبيهم: (فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون) لكن نقول:اذهب أنت وربك فقاتلا فإننا معكما مقاتلون . .
وكانت هذه بعض آثار المنهج القرآني في التربية بالقصص عامة ; وبعض جوانب حكمة الله في تفصيل قصة بني إسرائيل . .
أين أنت يا خالد؟ متى تخرج يا صلاح؟
اللهم هيئ لهذه الأمة قائدًا ربانيًا ينقاد للحق ويقودها.
هذه أسئلة ونداءات ودعوات طالما ترددت في أذهاننا ونطقت بها ألسنتنا وسمعناها بين جدران المساجد من أفواه الخطباء على أعواد المنابر، ولكنها إنما تعبر تعبيرًا مباشرًا عن الأزمة الشديدة التي وصلت إليها أمة الإسلام في هذه الأيام، إنها أزمة التخلف عن الإمساك بزمام القيادة والسيادة التي أرادها الله جل وعلا لهذه الأمة حينما قال: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران:110] . {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة:143] .
وما أبعد الفرق بين الليلة والبارحة ما أبعد الفرق بين يوم وقف فيه ربعي بن عامر كفرد من جيل قيادي مسلم، أمام رستم قائد الفرس، ليشرح له مهمة هذه الأمة القيادية قائلًا: ' إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام'.
وبين يوم نعيشه الآن يقف فيه المسلمون على أعتاب الصليبيين واليهود يستجدوا منهم سلام الذل والخزي والعار، وما زالت الأمة في انتظار ذلك القائد المنتظر الذي يقودها إلى ذرى المجد والتمكين.
وقد غفل القوم عن حقيقة تاريخية هامة تقول بأن القائد مهما كانت براعته لا يمكن أن يصنع شيئًا بمفرده ما لم يسانده جيل قيادي كامل يرفعه ويسانده، وها هو موسى عليه السلام نبي من أولى العزم من الرسل قد توفرت فيه صفات الكفاية القيادية بمستوى فذ، ومع ذلك لم يستطع وحده أن يفتح الأرض المقدسة وهو يقود جيل التيه الذي تربى على الذل والاستخذاء والذي تبدى جليًا في قولهم: 'اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون' لذلك فإن الخطوة الأولى في نهضة هذه الأمة هي صناعة ذلك الجيل القيادي الكامل الذي ينبت في تربته بذور قادة عظام أمثال خالد وصلاح، وإسهامًا منا في صناعة هذا الجيل،