فهرس الكتاب

الصفحة 306 من 608

وإن كانوا أضعافهم لقوله - صلى الله عليه وسلم - « إذا اجتمعت كلمتهم » وقد أوجب عليهم بذلك جمع كلمتهم « . . . انتهى .

كذلك أورد » ابن العربي « في » أحكام القرآن « تعقيبا على الخلاف في المقصود بهذا الحكم قال:

» اختلف الناس: هل الفرار يوم الزحف مخصوص بيوم بدر ، أم عام في الزحوف كلها إلى يوم القيامة؟

« فروى ابن سعيد الخدري أن ذلك يوم بدر ، لم يكن لهم فئة إلا رسول الله ، وبه قال نافع ، والحسن ، وقتادة ، ويزيد بن حبيب ، والضحاك .

» ويروى عن ابن عباس وسائر العلماء أن الآية باقية إلى يوم القيامة؛ وإنما شذ من شذ بخصوص ذلك يوم بدر بقوله: { ومن يولهم يومئذ دبره } فظن قوم أن ذلك إشارة إلى يوم بدر . وليس به . وإنما ذلك إشارة إلى يوم الزحف .

« والدليل عليه أن الآية نزلت بعد القتال ، وانقضاء الحرب ، وذهاب اليوم بما فيه . وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حسبما قدمناه في الحديث الصحيح أن الكبائر كذا . . وعدّ الفرار يوم الزحف . وهذا نص في المسألة يرفع الخلاف ، ويبين الحكم ، وقد نبهنا على النكتة التي وقع الإشكال فيها لمن وقع باختصاصه بيوم بدر » ..

ونحن نأخذ بهذا الذي ذكره ابن العربي من رأي « ابن عباس وسائر العلماء » . . ذلك أن التولي يوم الزحف على إطلاقه يستحق هذا التشديد لضخامة آثاره الحركية من ناحية؛ ولمساسه بأصل الاعتقاد من ناحية . .

إن قلب المؤمن ينبغي أن يكون راسخا ثابتا لا تهزمه في الأرض قوة ، وهو موصول بقوة الله الغالب على أمره ، القاهر فوق عباده . . وإذا جاز أن تنال هذا القلب هزة - وهو يواجه الخطر - فإن هذه الهزة لا يجوز أن تبلغ أن تكون هزيمة وفرارا . والآجال بيد الله ، فما يجوز أن يولي المؤمن خوفا على الحياة . وليس في هذا تكليف للنفس فوق طاقتها . فالمؤمن إنسان يواجه عدوه إنسانا ، فهما من هذه الناحية يقفان على أرض واحدة . ثم يمتاز المؤمن بأنه موصول بالقوة الكبرى التي لا غالب لها . ثم إنه إلى الله إن كان حيًا ، وإلى الله إن كتبت له الشهادة . فهو في كل حالة أقوى من خصمه الذي يواجهه وهو يشاق الله ورسوله . . ومن ثم هذا الحكم القاطع: { ومن يولهم يومئذ دبره - إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة - فقد باء بغضب من الله ، ومأواه جهنم وبئس المصير } . .

ولا بد أن نقف هنا عند التعبير ذاته ، وما فيه من إيماءات عجيبة: { فلا تولوهم الأدبار } . . { ومن يولهم يومئذ دبره } . . فهو تعبير عن الهزيمة في صورتها الحسية ، مع التقبيح والتشنيع ، والتعريض بإعطاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت