والحركة بهذا الدين حركة في واقع بشري. والصراع بينه وبين الجاهلية ليس مجرد صراع نظري يقابل بنظرية! إن الجاهلية تتمثل في مجتمع ووضع وسلطة ، ولا بد - كي يقابلها هذا الدين بوسائل مكافئة - أن يتمثل في مجتمع ووضع وسلطة. ولا بد بعد ذلك أن يجاهد ليكون الدين كله للّه ، فلا تكون هناك دينونة لسواه.
هذا هو المنهج الواقعي الحركي الإيجابي لهذا الدين .. لا ما يقوله المهزومون والمخدوعون .. ولو كانوا من المخلصين الطيبين الذين يريدون أن يكونوا من «المسلمين» ، ولكن تغيم في عقولهم وفي قلوبهم صورة هذا الدين! .. والحمد للّه الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا اللّه .." [1] "
وقال الجصاص: قوله تعالى: { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ } قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ: { حَتَّى لَا يَكُونَ شِرْكٌ } . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَاقَ: { حَتَّى لَا يُفْتَتَنَ مُؤْمِنٌ عَنْ دِينِهِ } . وَالْفِتْنَةُ هَهُنَا جَائِزٌ أَنْ يُرِيدَ بِهَا الْكُفْرَ وَجَائِزٌ أَنْ يُرِيدَ بِهَا الْبَغْيَ وَالْفَسَادَ ; لِأَنَّ الْكُفْرَ إنَّمَا سُمِّيَ فِتْنَةً لِمَا فِيهِ مِنْ الْفَسَادِ , فَتَنْتَظِمُ الْآيَةُ قِتَالَ الْكُفَّارِ وَأَهْلِ الْبَغْيِ وَأَهْلِ الْعَبَثِ وَالْفَسَادِ , وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ قِتَالِ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ . وقوله تعالى: { وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ } يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ قِتَالِ سَائِرِ أَصْنَافِ أَهْلِ الْكُفْرِ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسُ , فَإِنَّهُمْ يُقِرُّونَ بِالْجِزْيَةِ . وَيَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَقُولُ لَا يُقَرُّ سَائِرُ الْكُفَّارِ عَلَى دِينِهِمْ بِالذِّمَّةِ إلَّا هَؤُلَاءِ الْأَصْنَافُ الثَّلَاثَةُ , لِقِيَامِ الدَّلَالَةِ عَلَى جَوَازِ إقْرَارِهَا بِالْجِزْيَةِ . [2]
وقال ابن العربي: قوله تعالى: { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدَّيْنُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنْ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْلَمُونَ بَصِيرٌ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ } . يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ , وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا يَكُونَ كُفْرٌ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا يُفْتَنَ أَحَدٌ عَنْ دِينِهِ . وَكِلَاهُمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا , وَهَذِهِ الْغَايَةُ لَا تَتَحَقَّقُ إلَّا بِنُزُولِ عِيسَى . وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَمَسَائِلِ الْخِلَافِ . وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا ابْنُ عُمَرَ فَرَجَوْنَا أَنْ يُحَدِّثَنَا حَدِيثًا حَسَنًا . قَالَ: فَبَادَرَنَا إلَيْهِ رَجُلٌ , فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ , حَدِّثْنَا عَنْ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ , وَاَللَّهُ يَقُولُ: { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ } . فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا الْفِتْنَةُ ؟ ثَكِلَتْك أُمُّك , إنَّمَا كَانَ مُحَمَّدٌ يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ , وَكَانَ الدُّخُولُ فِي دِينِهِمْ فِتْنَةً , وَلَيْسَ بِقِتَالِكُمْ عَلَى الْمُلْكِ [3] .
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (3 / 1508)
(2) - أحكام القرآن للجصاص - (ج 6 / ص 365)
(3) - أحكام القرآن لابن العربي - (ج 4 / ص 122)