فهرس الكتاب

الصفحة 359 من 608

النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: (( صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ ، صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ ) )وَفِي رِوَايَةٍ (( صَبْرًا يَا آلَ يَاسِرٍ ، اللهُمَّ اغْفِرْ لِآلِ يَاسِرٍ، وَقَدْ فَعَلْتُ ) ).

مَاتَ يَاسِرٌ فِي الْعَذَابِ وَأُعْطِيَتْ سُمَيَّةُ أُمُّ عَمَّارٍ لِأَبِي جَهْلٍ يُعَذِّبُهَا - وَكَانَتْ مَولَاةً لِعَمِّهِ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَهُوَ الَّذِي عَهِدَ إِلَيْهِ بِتَعْذِيبِهَا - فَعَذَّبَهَا عَذَابًا شَدِيدًا رَجَاءَ أَنْ تُفْتَنَ فِي دِينِهَا فَلَمْ تُجِبْهُ لِمَا يَسْأَلُ ، ثُمَّ طَعَنَهَا فِي فَرْجِهَا بِحَرْبَةٍ فَمَاتَتْ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - وَكَانَتْ عَجُوزًا كَبِيرَةً ، وَكَانَ أَبُو جَهْلٍ يَقُولُ لَهَا مَعَ ذَلِكَ: مَا آمَنْتِ بِمُحَمَّدٍ إِلَّا أَنَّكِ عَشِقْتِهِ لِجَمَالِهِ ، يُؤْذِيهَا بِالْقَوْلِ كَمَا يُؤْذِيهَا بِالْفِعْلِ ، وَكَانَ يُلْبِسُ عَمَّارًا دِرْعًا مِنَ الْحَدِيدِ فِي الْيَوْمِ الصَّائِفِ يُعَذِّبُهُ بِحَرِّهِ .

وَكَانَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ يُعَذِّبُ بِلَالًا يَفْتِنُهُ ، فَكَانَ يُجِيعُهُ وَيُعَطِّشُهُ لَيْلَةً وَيَوْمًا ، ثُمَّ يَطْرَحُهُ عَلَى ظَهْرِهِ فِي الرَّمْضَاءِ; أَيْ: يَضَعُهُ عَلَى الرَّمْلِ الْمُحْمَى بِحَرَارَةِ الشَّمْسِ الَّذِي يُنْضِجُ اللَّحْمَ ، وَيَضَعُ عَلَى ظَهْرِهِ صَخْرَةً عَظِيمَةً وَيَقُولُ لَهُ: لَا تَزَالُ هَكَذَا حَتَّى تَمُوتَ أَوْ تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - وَتَعْبُدَ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ، فَيَأْبَى ذَلِكَ ، وَهَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِي اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَكَانُوا يُعْطُونَهُ لِلْوِلْدَانِ فَيَرْبُطُونَهُ بِحَبْلٍ وَيَطُوفُونَ بِهِ فِي شِعَابِ مَكَّةَ وَهُوَ يَقُولُ: (( أَحَدٌ ، أَحَدٌ ) ).

وَحَكَى خَبَّابٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي نَفْسِهِ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمًا وَقَدْ أُوقِدَتْ لِي نَارٌ وَضَعُوهَا عَلَى ظَهْرِي فَمَا أَطْفَأَهَا إِلَّا وَدَكُ (دُهْنُ) ظَهْرِي . فَهَذَا نَمُوذَجٌ مِنْ فِتْنَةِ الْمُشْرِكِينَ لِضُعَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، وَمَا امْتَنَعَ مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ لَهُ عَصَبَةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَزَّ عَلَيْهِمْ إِبْسَالُهُ فَمَنَعُوهُ حَمِيَّةً وَأَنَفَةً لِلْقَرَابَةِ ، عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى مَنَعَةِ قَوْمِهِ وَعِنَايَةِ اللهِ تَعَالَى بِهِ لَمْ يَسْلَمْ مِنْ إِيذَائِهِمْ ، فَقَدْ وَضَعُوا سَلَا الْجَزُورِ (كَرِشَ الْبَعِيرِ الْمَمْلُوءَةَ فَرْثًا) عَلَى ظَهْرِهِ وَهُوَ يُصَلِّي ، وَخَافَ أَصْحَابُهُ تَنْحِيَتَهُ عَنْ ظَهْرِهِ حَتَّى نَحَّتْهُ السَّيِّدَةُ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلَامُ ، وَتَعَرَّضُوا لَهُ بِضُرُوبٍ مِنَ الْإِيذَاءِ كَفَاهُ اللهُ شَرَّهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) (15: 95) وَسَيَجِيءُ ذِكْرُهُمْ وَبَيَانُ إِيذَائِهِمْ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى .

هَذَا مَا كَانَ الْمُشْرِكُونَ يُعَامِلُونَ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ فِي حَالِ ضَعْفِهِمْ ، وَلَمَّا هَاجَرُوا وَكَثُرُوا صَارُوا يَقْصِدُونَهُمْ بِالْقِتَالِ فِي مَهْجَرِهِمْ لِأَجْلِ الدِّينِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) عَادَ إِلَى خِطَابِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْقِتَالَ لِمَا تَقَدَّمَ ، فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ أُولَئِكَ الْمُشْرِكِينَ لَا هَمَّ لَهُمْ إِلَّا مَنْعَ الْإِسْلَامِ مِنَ الْأَرْضِ ، فَتَرْكُ قِتَالِهِمْ هُوَ الَّذِي يُبِيدُ الْحَقَّ وَأَهْلَهُ ، وَانْتِظَارُ إِيمَانِهِمْ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَةِ ، طَمَعٌ فِي غَيْرِ مَطْمَعٍ ، وَالْقِتَالُ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ أَهْوَنُ مِنَ الْفِتْنَةِ عَنِ الْإِسْلَامِ لَوْ لَمْ يَحْتَفِ بِهَا غَيْرُهَا مِنَ الْآثَامِ ، كَيْفَ وَقَدْ قَارَنَهَا الصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالْكُفْرُ بِهِ ، وَالصَّدُّ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ ، وَالِاعْتِدَاءُ بِالْقِتَالِ وَالِاسْتِمْرَارُ عَلَيْهِ . وَقَوْلُهُ: (إِنِ اسْتَطَاعُوا) يُفِيدُ الشَّكَّ فِي اسْتِطَاعَتِهِمْ وَعَدَمِ الثِّقَةِ بِهَا; لِأَنَّ مَنْ عَرَفَ الْإِسْلَامَ مَعْرِفَةً صَحِيحَةً - وَهُوَ الْحَقُّ الصَّرِيحُ - لَا يَرْجِعُ عَنْهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت