أما هؤلاء الذين لم يكن لهم مال ينفقونه في سبيل اللّه ، أو قدرة بدنية على الجهاد بأنفسهم في سبيل اللّه ، فهم ـ وإن كانوا ولا لوم عليهم ، ولا مؤاخذة ـ لم يكسبوا ما كسبه المجاهدون بأموالهم وأنفسهم ، وبهذا سبقهم هؤلاء المجاهدون بأموالهم وأنفسهم ، في ميدان الفضل والإحسان ، وكانوا أعلى درجة عند اللّه منهم .. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: « فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى » .
فهؤلاء ، وأولئك ، قد وعدهم اللّه الحسنى ، وإن كان المجاهدون بأموالهم وأنفسهم أعلى درجة منهم في مقام الإحسان ، الذي هو حظٌّ مقسوم بين المسلمين الذين آمنوا باللّه ، وأدوا للّه ما أمرهم به ، جهد طاقتهم ، وما وسعت أنفسهم.
أما الذين آمنوا ، ولم يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ، وبين أيديهم المال ، ومعهم الصحة والعافية ، ولكنهم آثروا السلامة والدّعة ، وبخلوا بما آتاهم اللّه من فضله ـ هؤلاء قد بخسوا دينهم حقّه ، ونزلوا عن درجات المؤمنين ، على حين ارتفع المجاهدون بأموالهم وأنفسهم درجات .. وبهذا كان البون بين الفريقين شاسعا ، والمدى بعيدا .. وهذا ما تضمنه قوله سبحانه: «وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا » .. فهذا الأجر العظيم الذي فضّل اللّه به المجاهدين على القاعدين ، هو درجات كثيرة في مقام الإحسان ، ومغفرة من اللّه ورحمة ، تشتمل هؤلاء المجاهدين ، وتبدل سيئاتهم حسنات: « أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ » . [1]
إن هذا النص القرآني كان يواجه حالة خاصة في المجتمع المسلم وما حوله وكان يعالج حالة خاصة في هذا المجتمع من التراخي - من بعض عناصره - في النهوض بتكاليف الجهاد بالأموال والأنفس. سواء كان المقصود أولئك الذين تخلفوا عن الهجرة احتفاظا بأموالهم ، إذ لم يكن المشركون يسمحون لمهاجر أن يحمل معه شيئا من ماله أو توفيرا لعناء الهجرة وما فيها من مخاطر ، إذ لم يكن المشركون يتركون المسلمين يهاجرون ، وكثيرا ما كانوا يحبسونهم ويؤذونهم - أو يزيدون في إيذائهم بتعبير أدق - إذا عرفوا منهم نية الهجرة .. سواء كان المقصود هم أولئك الذين تخلفوا عن الهجرة - وهو ما نرجحه - أو كان المقصود بعض المسلمين في دار الإسلام ، الذين لم ينشطوا للجهاد بالأموال والأنفس - من غير المنافقين المبطئين الذين ورد ذكرهم في درس سابق - أو كان المقصود هؤلاء وهؤلاء ممن لم ينشطوا للجهاد بالأموال والأنفس في دار الحرب ودار الإسلام سواء.
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (3 / 872)