: « أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » دعوة للمسلمين إلى التسامح والرفق ، وأن يقبلوا هؤلاء الذين جاءوهم مسلمين ، وأن يفسحوا لهم في قلوبهم مكانا مع إخوانهم المسلمين ، وأن يغفروا لهم ما كان منهم من إساءات ، فيما أصابوهم بهم في أموالهم وأنفسهم ، فإن اللّه غفور رحيم ، ينال المؤمنين برحمته ، ومغفرته ، فليأخذوا هم المسيئين إليهم برحمتهم ومغفرتهم .. ثم هو إغراء للمشركين أن يدخلوا في دين اللّه ، فهذه رحمة اللّه ومغفرته مبسوطة لهم ، وهؤلاء هم المؤمنون يلقونهم بالرحمة والمغفرة لما كان منهم ، في عدوانهم عليهم ، وكيدهم لهم .. إنها فرصة مسعدة ، والسعيد من أخذ بخطه منها.
وتمضى الآيات بعد هذا في تقرير الأحكام التي تنتظم الصّلات التي بين المؤمنين وأعدائهم من المشركين والكافرين ..
فبعد أن قضى اللّه بنقض العهود التي بين المشركين والمسلمين ، وإمهالهم أربعة أشهر يتدبّرون فيها أمرهم ، استثنى اللّه سبحانه وتعالى من هؤلاء المشركين من عرف المسلمون منهم الوفاء بالعهد ، فأبقى على عهودهم إلى انتهاء أجلها المضروب لها ، ثم أمر اللّه المسلمين بأن يأخذوا المشركين حيث وجدوهم ، وأن يقتلوهم حيث ظفروا بهم ، وذلك مع استثناء من بقي لهم مع المسلمين عهد.
وهنا في هذه الآيات استكمال لهذه الأحكام ..
ففى قوله تعالى: « وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ » بيان لحكم من جاء من المشركين مستجيرا بالنبيّ ، طالبا الأمان منه.ففى غير ميدان القتال ، وفى حال السّلم ، قد يرى بعض المشركين أن يلتقى بالنبيّ ، ليعرف الدعوة الإسلامية ، وليعرض على عقله وقلبه ما يدعو إليه الإسلام ، وذلك حقّ له ، يجب ألّا يحرم منه .. ليكون إيمانه على علم ، وفى غير إكراه ..
ولهذا أمر اللّه سبحانه النبىّ الكريم أن يستجيب لدعوة من يدعوه إلى طلب الأمان في جواره ، وذلك حتى يسمع كلام اللّه ، أي حتى يسمع ما نزل على النبي من قرآن يقرر أصول الإسلام ، وأحكام شريعته ، ثم إن لهذا المستأمن أن يطلب النّظرة إلى الوقت الذي يسمح له بالنظر والتدبر فيما سمع من كلام اللّه ، وأن يجاب إلى هذا ، حتى ينقطع عذره ، وتقوم عليه الحجة ..فإن وجد فيما سمع ووعى من كلام اللّه ما يدعوه إلى الإيمان ، ثم آمن ..فهو في المؤمنين ، له ما لهم وعليه ما عليهم ..
وإن أصمّ اللّه سمعه ، وأعمى بصره ، وحجب بصيرته ، فلم تنفذ شعاعات الهدى إلى قلبه ، وآثر الضلال على الإيمان ، واستحبّ العمى على الهدى ، فإن له ما اختار .. لا سلطان لأحد عليه ، ولا سبيل لأحد أن يناله بضرّ أو أذى ، فهو الآن في ذمة النبىّ ، وذمة المؤمنين جميعا .. وعلى النبىّ ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ أن يضمن سلامته ، وأن يكفل له الأمن والطمأنينة ما دام في رحاب المسلمين .. ثم إن