فهرس الكتاب

الصفحة 400 من 608

قوله تعالى: « وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ » هذا هو الوجه الآخر الذي يلقى به المؤمنون ، المتمردين من المشركين ، الناكثين للعهد ، وهو أنه إذا لم يستقم المشركون على الوفاء بالعهد ، ونكثوه ، أو همّوا بنكثه ، وأطلقوا ألسنتهم بقالة السوء في الإسلام والمسلمين ، أو مدّوا أيديهم إلى المسلمين بأذى ـ فعندئذ ينبغى على المسلمين أن يحلّوا أنفسهم من أي عقد عقدوه مع هؤلاء المشركين ، وأن يضربوهم بيد باطشة قاهرة ، لعلّ في هذا ما يقطع ألسنتهم وأيديهم المتطاولة على الدين ، ويقصّر من خطوهم إلى التمادي في الشرك والضلال.

وفى العدول عن الضمير إلى الظاهر في قوله تعالى: « فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ » بدلا من أن يجىء النظم « فقاتلوهم » ـ في هذا ما يكشف عن وجه هؤلاء المشركين ، ذلك الوجه ، الذي لا يستحق غير الخزي والهوان .. إنه وجه يطلّ منه الكفر في أنكر صورة وأبشعها .. وإنه ، وجه تنعقد على جبينه أمارة الزعامة ، والإمامة ، لدولة الكفر والضلال.

قوله تعالى: « أَلا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » هو تحريض للمؤمنين على الجدّ في قتال المشركين ، وفى قتل كل المشاعر التي تدعو إلى مهادنتهم ، والتراخي في تأديبهم والانتقام منهم .. فإذا وقع في نفس مسلم شىء من هذا المشاعر ، فليذكر ما صنع هؤلاء المشركون به وبالنبيّ الكريم ، وبجماعة المسلمين عامة ، وما كان منهم من كيد وبغى وعدوان ، على دين اللّه ، وعلى المؤمنين باللّه ..

فهؤلاء المشركون ، الذين نكثوا أيمانهم ، ونقضوا عهودهم ـ لم يكونوا في يوم ما على حال مستقيمة مع المسلمين .. وحسبهم أن كان منهم تلك المواجهة المنكرة التي واجهوا بها الرسول في أول دعوته ، وكيف آذوه وآذوا كل من استجاب له ، حتى همّوا بإخراجه ، وتآمروا على اغتياله ، لو لا أن ردّ اللّه كيدهم ، وأخرج النبىّ سليما معافى من بينهم.ثم هاهم أولاء قد نكثوا أيمانهم ، وتحللوا من كل عقد عقدوه مع المسلمين ..فكيف يرعى المسلم لهم عهدا .. ؟ وكيف تعطفه عليهم عاطفة ؟

وفى التعبير بلفظ « همّوا بإخراج الرسول » إشارة إلى واقع أمرهم مع الرسول فعلا ، فهم لم يخرجوه ، بل كانوا يعملون على أن يمسكوه بينهم ، ويحولوا بينه وبين أن يلقى الناس ، وأن تلتقى دعوته بالناس ـ ولكن لما كان هذا الموقف المتعنت الذي وقفوه منه ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ سببا في أن يخرج من بلده مهاجرا ، فقد حسن أن يضاف إليهم إخراجه ، نيّة لا عملا .. وفى التعبير بكلمة « همّوا » التي تفيد معنى النيّة المنعقدة على هذا الأمر ـ في هذا ما يكشف عن مكنون ضمائرهم ، من كراهية للنبىّ ، واستثقال لمقامه فيهم ، وأنهم يهمّون بإخراجه ، ولكن يرون أن إخراجه أشدّ بلاء عليهم من إمساكه معهم ..فهم يمسكون بالنبيّ على مضض وتكرّه ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت