فهرس الكتاب
تلك الحال التي يلبس فيها لباس الهزيمة والخزي والعار ، إلى الجبهة الأخرى ، فيشاركها أفراحها ومسرّاتها ، ويقاسمها ما بين أيديها من نصر ، وما في قلوبها من رضى وحبور ، وفى هذا تحريض قوىّ للمشركين على ان يستجيبوا للّه وللرسول ، وأن يدخلوا في دين اللّه ، ويسلموا له مع المسلمين .. « وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ » يمضى حكمه بعلم العليم ، وحكمة الحكيم ، فما وقع شىء في ملكه إلا على هذا التقدير الذي يقدّره العلم ، وتحكمه الحكمة .." [1] "
وفي الظلال:"إن المهزومين في هذا الزمان أمام الواقع البائس لذراري المسلمين - الذين لم يبق لهم من الإسلام إلا العنوان - وأمام الهجوم الاستشراقي الماكر على أصل الجهاد في الإسلام يحاولون أن يجدوا في النصوص المرحلية مهربا من الحقيقة التي يقوم عليها الانطلاق الإسلامي في الأرض لتحرير الناس كافة من عبادة العباد ، وردهم جميعا إلى عبادة اللّه وحده وتحطيم الطواغيت والأنظمة والقوى التي تقهرهم على عبادة غير اللّه ، والخضوع لسلطان غير سلطانه ، والتحاكم إلى شرع غير شرعه ..ومن ثم نراهم يقولون مثلا: إن اللّه سبحانه يقول: «وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ» ..ويقول: «لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ» .."
ويقول: «وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» ... ويقول عن أهل الكتاب: «قُلْ: يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ. فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا: اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ» ..
فالإسلام إذن لا يقاتل إلا الذين يقاتلون أهل دار الإسلام في داخل حدود هذه الدار أو الذين يهددونها من الخارج! وأنه قد عقد صلح الحديبية مع المشركين. وأنه قد عقد معاهدة مع يهود المدينة ومشركيها! ومعنى ذلك - في تصورهم المهزوم - أن لا علاقة للإسلام إذن بسائر البشر في أنحاء الأرض. ولا عليه أن يعبدوا ما يعبدون من دون اللّه. ولا عليه أن يتخذ الناس بعضهم بعضا أربابا من دون اللّه في الأرض كلها ما دام هو آمنا داخل حدوده الاقليمية! وهو سوء ظن بالإسلام وسوء ظن باللّه - سبحانه! - تمليه الهزيمة أمام الواقع البائس النكد الذي يواجههم ، وأمام القوى العالمية المعادية التي لا طاقة لهم بها في اللحظة الحاضرة! وهان الأمر لو أنهم حين يهزمون روحيا أمام هذه القوى لا يحيلون هزيمتهم إلى الإسلام ذاته ولا يحملونه على ضعف واقعهم الذي جاءهم من بعدهم عن الإسلام أصلا! ولكنهم يأبون إلا أن يحملوا ضعفهم هم وهزيمتهم على دين اللّه القوي المتين! إن هذه النصوص التي يلتجئون إليها نصوص مرحلية تواجه واقعا معينا. وهذا الواقع المعين قد يتكرر وقوعه في حياة الأمة المسلمة. وفي هذه الحالة
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (5 / 701)