فهرس الكتاب

الصفحة 488 من 608

الْكِتَابِ بِالْجِزْيَةِ وَالصَّغَارِ وَلَا يَنْهَوْنَ أَحَدًا مِنْ عَسْكَرِهِمْ أَنْ يَعْبُدَ مَا شَاءَ مِنْ شَمْسٍ أَوْ قَمَرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ؛ بَلْ الظَّاهِرُ مِنْ سِيرَتِهِمْ أَنَّ الْمُسْلِمَ عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْعَدْلِ أَوْ الرَّجُلِ الصَّالِحِ أَوْ الْمُتَطَوِّعِ فِي الْمُسْلِمِينَ وَالْكَافِرُ عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْفَاسِقِ فِي الْمُسْلِمِينَ أَوْ بِمَنْزِلَةِ تَارِكِ التَّطَوُّعِ . وَكَذَلِكَ أَيْضًا عَامَّتُهُمْ لَا يُحَرِّمُونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ ؛ إلَّا أَنْ يَنْهَاهُمْ عَنْهَا سُلْطَانُهُمْ أَيْ لَا يَلْتَزِمُونَ تَرْكَهَا وَإِذَا نَهَاهُمْ عَنْهَا أَوْ عَنْ غَيْرِهَا أَطَاعُوهُ لِكَوْنِهِ سُلْطَانًا لَا بِمُجَرَّدِ الدِّينِ . وَعَامَّتُهُمْ لَا يَلْتَزِمُونَ أَدَاءَ الْوَاجِبَاتِ ؛ لَا مِنْ الصَّلَاةِ وَلَا مِنْ الزَّكَاةِ وَلَا مِنْ الْحَجِّ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ . وَلَا يَلْتَزِمُونَ الْحُكْمَ بَيْنَهُمْ بِحُكْمِ اللَّهِ ؛ بَلْ يَحْكُمُونَ بِأَوْضَاعِ لَهُمْ تُوَافِقُ الْإِسْلَامَ تَارَةً وَتُخَالِفُهُ أُخْرَى . وَإِنَّمَا كَانَ الْمُلْتَزِمُ لِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ الشيزبرون وَهُوَ الَّذِي أَظْهَرَ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ مَا اسْتَفَاضَ عِنْدَ النَّاسِ . وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَدَخَلُوا فِيهِ وَمَا الْتَزَمُوا شَرَائِعَهُ .

وَقِتَالُ هَذَا الضَّرْبِ وَاجِبٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَمَا يَشُكُّ فِي ذَلِكَ مَنْ عَرَفَ دِينَ الْإِسْلَامِ وَعَرَفَ حَقِيقَةَ أَمْرِهِمْ ؛ فَإِنَّ هَذَا السِّلْمَ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ وَدِينَ الْإِسْلَامِ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا . وَإِذَا كَانَ الْأَكْرَادُ وَالْأَعْرَابُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبَوَادِي الَّذِينَ لَا يَلْتَزِمُونَ شَرِيعَةَ الْإِسْلَامِ يَجِبُ قِتَالُهُمْ وَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ ضَرَرُهُمْ إلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ فَكَيْفَ بِهَؤُلَاءِ . نَعَمْ يَجِبُ أَنْ يُسْلَكَ فِي قِتَالِهِ الْمَسْلَكُ الشَّرْعِيُّ مِنْ دُعَائِهِمْ إلَى الْتِزَامِ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ إنْ لَمْ تَكُنْ الدَّعْوَةُ إلَى الشَّرَائِعِ قَدْ بَلَغَتْهُمْ كَمَا كَانَ الْكَافِرُ الْحَرْبِيُّ يُدْعَى أَوَّلًا إلَى الشَّهَادَتَيْنِ إنْ لَمْ تَكُنْ الدَّعْوَةُ قَدْ بَلَغَتْهُ . فَإِنْ اتَّفَقَ مَنْ يُقَاتِلُهُمْ عَلَى الْوَجْهِ الْكَامِلِ فَهُوَ الْغَايَةُ فِي رِضْوَانِ اللَّهِ وَإِعْزَازِ كَلِمَتِهِ وَإِقَامَةِ دِينِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ فِيهِ فُجُورٌ وَفَسَادُ نِيَّةٍ بِأَنْ يَكُونَ يُقَاتِلُ عَلَى الرِّيَاسَةِ أَوْ يَتَعَدَّى عَلَيْهِمْ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ وَكَانَتْ مَفْسَدَةُ تَرْكِ قِتَالِهِمْ أَعْظَمُ عَلَى الدِّينِ مِنْ مَفْسَدَةِ قِتَالِهِمْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ: كَانَ الْوَاجِبُ أَيْضًا قِتَالَهُمْ دَفْعًا لِأَعْظَمِ الْمُفْسِدَتَيْنِ بِالْتِزَامِ أَدْنَاهُمَا ؛ فَإِنَّ هَذَا مِنْ أُصُولِ الْإِسْلَامِ الَّتِي يَنْبَغِي مُرَاعَاتُهَا . وَلِهَذَا كَانَ مِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ الْغَزْوُ مَعَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ وَبِأَقْوَامِ لَا خَلَاقَ لَهُمْ كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَّفِقْ الْغَزْوُ إلَّا مَعَ الْأُمَرَاءِ الْفُجَّارِ أَوْ مَعَ عَسْكَرٍ كَثِيرِ الْفُجُورِ ؛ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا تَرْكُ الْغَزْوِ مَعَهُمْ فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ اسْتِيلَاءُ الْآخَرِينَ الَّذِينَ هُمْ أَعْظَمُ ضَرَرًا فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا" [1] ."

وقال:"وَقَدْ اتَّفَقَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنْ الطَّائِفَةَ الْمُمْتَنِعَةَ إذَا امْتَنَعَتْ عَنْ بَعْضِ وَاجِبَاتِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ قِتَالُهَا إذَا تَكَلَّمُوا بِالشَّهَادَتَيْنِ وَامْتَنَعُوا عَنْ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ أَوْ صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ أَوْ حَجِّ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ أَوْ عَنْ الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْ عَنْ تَحْرِيمِ الْفَوَاحِشِ أَوْ الْخَمْرِ أَوْ نِكَاحِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ أَوْ عَنْ اسْتِحْلَالِ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ بِغَيْرِ حَقٍّ أَوْ الرِّبَا أَوْ الْمَيْسِرِ أَوْ عَنْ الْجِهَادِ لِلْكُفَّارِ"

(1) - مجموع الفتاوى لابن تيمية - (ج 28 / ص 503)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت