فهرس الكتاب

الصفحة 510 من 608

أَمَّا كَوْنُ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْعُدْوَانِ مُحَارَبَةً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ فَلِأَنَّهُ اعْتِدَاءٌ عَلَى شَرِيعَةِ السِّلْمِ وَالْأَمَانِ وَالْحَقِّ وَالْعَدْلِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ . فَمُحَارَبَةُ اللهِ وَرَسُولِهِ هِيَ عَدَمُ الْإِذْعَانِ لِدِينِهِ وَشَرْعِهِ فِي حِفْظِ الْحُقُوقِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْمُصِرِّينَ عَلَى أَكْلِ الرِّبَا: (فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ) (2: 279) وَلَيْسَ مَعْنَاهُ مُحَارَبَةَ الْمُسْلِمِينَ ، كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: فَمَنْ لَمْ يُذْعِنُوا لِلشَّرْعِ فِيمَا يُخَاطِبُهُمْ بِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ يُعَدُّونَ مُحَارِبِينَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ الَّذِي يُقِيمُ الْعَدْلَ وَيَحْفَظُ النِّظَامَ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، كَمَا فَعَلَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِمَانِعِي الزَّكَاةِ ، حَتَّى يَفِيئُوا وَيَرْجِعُوا إِلَى أَمْرِ اللهِ ، وَمَنْ رَجَعَ مِنْهُمْ فِي أَيِّ وَقْتٍ يَقْبَلُ مِنْهُ وَيَكُفُّ عَنْهُ ، وَلَكِنْ إِذَا امْتَنَعُوا عَلَى إِمَامِ الْعَدْلِ الْمُقِيمِ لِلشَّرْعِ ، وَعَثَوْا إِفْسَادًا فِي الْأَرْضِ ، كَانَ جَزَاؤُهُمْ مَا بَيَّنَهُ اللهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا) مُتَمِّمٌ لِمَا قَبْلَهُ ; أَيْ يَسْعَوْنَ فِيهَا سَعْيَ فُسَّادٍ أَوْ مُفْسِدِينَ فِي سَعْيِهِمْ لِمَا صَلَحَ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ فِي نِظَامِ الِاجْتِمَاعِ وَأَسْبَابِ الْمَعَاشِ .

وَالْفَسَادُ ضِدُّ الصَّلَاحِ ، فَكُلُّ مَا يَخْرُجُ عَنْ وَضْعِهِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ صَالِحًا نَافِعًا ، يُقَالُ إِنَّهُ قَدْ فَسَدَ ، وَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا كَانَ سَبَبًا لِفَسَادِ شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ يُقَالُ إِنَّهُ أَفْسَدَهُ ، فَإِزَالَةُ الْأَمْنِ عَلَى الْأَنْفُسِ أَوِ الْأَمْوَالِ أَوِ الْأَعْرَاضِ ، وَمُعَارَضَةُ تَنْفِيذِ الشَّرِيعَةِ الْعَادِلَةِ وَإِقَامَتِهَا ، كُلُّ ذَلِكَ إِفْسَادٌ فِي الْأَرْضِ . رَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ الْفَسَادَ هُنَا الزِّنَا وَالسَّرِقَةُ وَقَتْلُ النَّفْسِ ، وَإِهْلَاكُ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ ، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَعْمَالِ مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ . وَاسْتَشْكَلَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ قَوْلَ مُجَاهِدٍ بِأَنَّ هَذِهِ الذُّنُوبَ وَالْمَفَاسِدَ لَهَا عُقُوبَاتٌ فِي الشَّرْعِ غَيْرُ مَا فِي الْآيَةِ ، فَلِلزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَالْقَتْلِ حُدُودٌ ، وَإِهْلَاكُ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ يُقَدَّرُ بِقَدْرِهِ ، وَيَضْمَنُهُ الْفَاعِلُ وَيُعَزِّرُهُ الْحَاكِمُ بِمَا يُؤَدِّيهِ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ ، وَفَاتَ هَؤُلَاءِ الْمُعْتَرِضِينَ أَنَّ الْعِقَابَ الْمَنْصُوصَ فِي الْآيَةِ خَاصٌّ بِالْمُحَارِبِينَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ الَّذِينَ يُكَاثِرُونَ أُولِي الْأَمْرِ ، وَلَا يُذْعِنُونَ لِحُكْمِ الشَّرْعِ ، وَتِلْكَ الْحُدُودُ إِنَّمَا هِيَ لِلسَّارِقِينَ وَالزُّنَاةِ أَفْرَادًا ، الْخَاضِعِينَ لِحُكْمِ الشَّرْعِ فِعْلًا ، وَقَدْ ذُكِرَ حُكْمُهُمْ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ ، بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ الْمُفْرَدِ كَقَوْلِهِ: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) (5: 38) وَ (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ(24: 2) وَهُمْ يَسْتَخْفُونَ بِأَفْعَالِهِمْ وَلَا يَجْهَرُونَ بِالْفَسَادِ حَتَّى يَنْتَشِرَ بِسُوءِ الْقُدْوَةِ بِهِمْ ، وَلَا يُؤَلِّفُونَ لَهُ الْعَصَائِبَ لِيَمْنَعُوا أَنْفُسَهُمْ مِنَ الشَّرْعِ بِالْقُوَّةِ ، فَلِهَذَا لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ مُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَمُفْسِدُونَ ، وَالْحُكْمُ هُنَا مَنُوطٌ بِالْوَصْفَيْنِ مَعًا ، وَإِذَا أَطْلَقَ الْفُقَهَاءُ لَفْظَ الْمُحَارِبِينَ فَإِنَّمَا يَعْنُونَ بِهِ الْمَحَارِبِينَ الْمُفْسِدِينَ ; لِأَنَّ الْوَصْفَيْنِ مُتَلَازِمَانِ .

وَلَا تَتَحَقَّقُ مُحَارَبَةُ اللهِ وَرَسُولِهِ بِمُحَارَبَةِ الشَّرْعِ ، وَمُقَاوَمَةِ تَنْفِيذِهِ وَإِفْسَادِ النِّظَامِ عَلَى أَهْلِهِ إِلَّا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، وَلِلْكُفَّارِ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَحْكَامٌ أُخْرَى كَمَا قَالَ الْفُقَهَاءُ ، وَأَحْكَامُهُمْ تُذْكَرُ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ ، لَا فِي كِتَابِ الْمُحَارَبَةِ أَوِ الْحَرَابَةِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَقَدْ فَطِنَ لِهَذَا الْمَعْنَى بَعْضُهُمْ ، وَلَمْ يَتَّضِحْ لَهُ تَمَامَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت