والمؤمنون باللّه ينبغي لهم أن يدركوا حقيقة حالهم وحال أعدائهم. فهذا نصف المعركة. والقرآن يطلعهم على هذه الحقيقة في سياق وصفه لحادث وقع ، وفي سياق التعقيب عليه ، وشرح ما وراءه من حقائق ودلائل ، شرحا يفيد منه الذين شهدوا ذلك الحادث بعينه ، ويتدبره كل من جاء بعدهم ، وأراد أن يعرف الحقيقة من العالم بالحقيقة!" [1] "
والأمرُ الآخر هذا أحد الممكنات اليوم، أن يجودَ المسلمُ الذي يريد الله تعالى والدار الآخرة بنفسه سخية في سبيل الله ، بل هو من أعظم القربات عند الله تعالى .
ومثل هذه العلميات لم تحدث من قبل لعدم حاجة المسلمين إليها، ولأنه لا توجد متفجرات تؤثر في العدو، فلم يكن سوى السيف والرمح والترس .
فقد تبين لنا من أقوال العلماء في مسألة الاقتحام على العدو منفردًا تعليقهم المسألة بغلبة الظن ، أي أن من غلب على ظنه أنه يقتل في هذا الاقتحام ، أخذ حكم من سيقتل قطعًا ، فمن أجاز الاقتحام مع غلبة الظن كمن أجاز الاقتحام مع اليقين الجازم بالقتل .
وأيضًا فإن جمهور العلماء علقوا جواز الاقتحام بشروط
الأولى: الإخلاص ، والثاني وجود النكاية بالعدو ، الثالث: إرهابهم ، الرابع: تقوية قلوب المسلمين .
وأجاز القرطبي وابن قدامة الاقتحام بنية خالصة طلبًا للشهادة فقط لأن طلب الشهادة أمر مشروع ، وللمجاهد فيه غرض ، وبما أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لم يشترطوا ما اشترطه الجمهور في جواز الاقتحام ، فإن المصير لقول القرطبي وابن قدامة لا يبعد استحسانه ، لأننا لو أردنا أن نخرج من الأدلة التي جاءت بجواز هذا الفعل ما يعضد قول الجمهور بأن العمل الفاقد للشروط ممنوع لم تستقم لهم دلالة الأدلة ، إلا أنهم أخذوا ذلك من القواعد العامة للجهاد والعام لا يقضي على الخاص ، نعم نحن نقول بأن ما لا فائدة فيه لا ينبغي عمله ، ولكن القول لمن لم يحقق الشروط المذكورة أن عمله غير صحيح ولا محمود هذا ظلم ، لاسيما وأن هذه الشروط لم تأت بنصوص واضحة ولا آثار صحيحة ولا قياس جلي ، فأصل الجواز مع فقدها موجود ولكنه خلاف الأولى ، فلا ينبغي الإقدام على الشهادة فحسب بلا مقصود آخر يفيد المسلمين والمجاهدين . [2]
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (6 / 3529)
(2) - قد فصلت القول في جواز العمليات الاستشهادية والرد على شبهات المخالفين في كتابي (( الخلاصة في أحكام الشهيد ) )الباب الثالث فارجع إليه إن شئت .