وقال تعالى: { أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } [البقرة/100 ]
وَكَانَ اليَهُودُ قَدْ قَالُوا حِينَمَا بَعَثَ اللهُ رَسُولَهَ مُحُمَّدًا - صلى الله عليه وسلم -: وَاللهِ ، مَا عَهدَ إلينَا في مُحَمَّدٍ ، وَمَا أَخَذَ عَلَينَا مِيثَاقًا . فَأنْزَلَ اللهُ هذِهِ الآيةَ .
( وَقَالَ مُفَسِرُونَ: إنَّ العُهودَ المَقْصُودَةَ هُنَا هِيَ عُهُودُهُمْ للنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ فِي المَدِينة )
وَمَعْنَى الآيَةِ: إِنَّ اليَهُودَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَقَضَهُ ( نَبَذَهُ ) فَرِيقٌ مِنْهُمْ ، وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - ، وَلا يُؤْمِنُونَ بِحُرْمَةِ العُهُودِ وَالمَوَاثِيقِ .
"وقد أخلفوا ميثاقهم مع اللّه تحت الجبل ، ونبذوا عهودهم مع أنبيائهم من بعد ، وأخيرا نبذ فريق منهم عهدهم الذي أبرموه مع النبي - صلى الله عليه وسلم - أول مقدمه إلى المدينة وهو العهد الذي وادعهم فيه بشروط معينة ، بينما كانوا هم أول من أعان عليه أعداءه وأول من عاب دينه ، وحاول بث الفرقة والفتنة في الصف المسلم ، مخالفين ما عاهدوا المسلمين عليه ..وبئس هي من خلة في اليهود! تقابلها في المسلمين خلة أخرى على النقيض ، يعلنها رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - في قوله: «المسلمون تتكافؤا دماؤهم ، وهم يد على من سواهم يسعى بذمتهم أدناهم» .. يسعى بذمتهم أدناهم ، فلا يخيس أحد بعهده إذا عاهد ، ولا ينقض أحد عقده إذا أبرم ، فعن محمد وطلحة وأبى عمرو وأبى سفيان والمهلّب، قالوا: لما فرغ أبو سبرة من السّوس خرج في جنده حتى نزل على جندى سابور، وزرّ بن عبد الله بن كليب محاصرهم؛ فأقاموا عليها يغادنهم ويراوحونهم القتال؛ فما زالوا مقيمين عليها حتى رمى إليهم بالأمان من عسكر المسلمين، وكان فتحها وفتح نهاوند في مقدار شهرين، فلم يفجأ المسلمين إلاّ وأبوابها تفتح، ثمّ خرج السّرح، وخرجت الأسواق، وانبثّ أهلها، فأرسل المسلمون: أن مالكم؟ قالوا: رميتم إلينا بالأمان فقبلناه، وأقررنا لكم بالجزاء على أن تمتعونا. فقالوا: ما فعلنا، فقالوا: ما كذبنا، فسأل المسلمون فيما بينهم؛ فإذا عبد يدعى مكنفا كان أصله منها؛ هو الذي كتب لهم. فقالوا: إنما هو عبد، فقالوا: إنا لا نعرف حرّكم من عبدكم، قد جاء أمان فنحن عليه قد قبلناه، ولم نبدّل؛ فإن شئتم فاغدروا. فأمسكوا عنهم، وكتبوا بذلك إلى عمر، فكتب إليهم: إنّ الله عظّم الوفاء، فلا تكونون أوفياء حتى تفوا، ما دمتم في شكّ أجيزوهم، وفوا لهم. فوفوا لهم، وانصرفوا عنهم." [1] ..
وهذه سمة الجماعة الكريمة المتماسكة المستقيمة. وذلك فرق ما بين أخلاق اليهود الفاسقين وأخلاق المسلمين الصادقين." [2] "
(1) - تاريخ الرسل والملوك - (2 / 356)
(2) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (1 / 94)