فهرس الكتاب

الصفحة 580 من 608

الفرار من الميدان ، أو النكوص على الأعقاب ، أو الدعوة إلى السلم ، والاستسلام ـ توعد الإسلام من كان في المجاهدين ، المقاتلين ، ثم أخذ هذا الموقف المتخاذل ـ توعده بغضب من اللّه ، وبعذاب أليم في نار جهنم ، كما يقول سبحانه: « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ » (15 ، 16: الأنفال) ..

والجانب النفسي هو المنظور إليه هنا ، في هذا الوعيد الذي يأخذ به اللّه سبحانه من لبس ثوب الجهاد وانتظم في صفوف المجاهدين المقاتلين ، من بلاء ونكال ، الأمر الذي يحبط إيمان المؤمن ، ويبطل عمله ، ويسلكه مع المنافقين والكافرين .. ذلك أن فرار المجاهدين من بين صفوف المجاهدين يحدث فتنة ، ويثير خلخلة واضطرابا في نفوس المجاهدين وفى صفوفهم ، وسرعان ما تسري عدوى هذا المقاتل الفارّ إلى كثير غيره ، ممن لم يكن في حسابهم أن يفروا ..

إن هذا الفارّ إنما يمثل ـ من غير قصد ـ صرخة الانهزام في صفوف المجاهدين ، وإنه لخير له وللمسلمين المجاهدين ، ألا يشهد مثل هذا الإنسان مواقف القتال ، وألا يكون في صفوف المقاتلين .. وأما وقد خرج ، ودخل المعركة ، فإن فراره من القتال ، خيانة للّه ، ولرسوله ، وللمؤمنين ..

ومن أجل هذا ، عزل اللّه سبحانه وتعالى المنافقين عن مواقف الجهاد ، ونقىّ جيش المجاهدين من هذه الأجسام الغريبة التي تدخل على الجسد السليم بأعراض الحمى. من صداع ، وعرق ، وأرق! فقال سبحانه لنبيه الكريم.

« فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ » (83: التوبة) ..

ومن التطبيق العملي لهذا الذي تسميه الحرب النفسية ـ أن الرسول ـ صلوات اللّه وسلامه ورحمته وبركاته عليه ـ حين رجع من غزوة أحد ، وعلم أن قريشا تريد الكرة على المدينة ، وتنتهز فرصة الهزيمة التي حلت بالمسلمين في أحد ، فتضرب ضربتها القاضية ، والحديد ساخن ، كما يقولون ـ نقول حين علم الرسول الكريم بهذا دعا أصحابه ، إلى أن يخرجوا إلى ظاهر المدينة ، للقاء عدوهم ، إن هو سولت له نفسه أن يهجم على المدينة .. وكان مما اشترطه الرسول فيمن يشهدون هذا الموقف معه ، أن يكونوا ممن شهدوا القتال في أحد ، أما من كان في المتخلفين ولم يشهد الحرب ، فلا مكان له بينهم .. هذا والمسلمون الذين شهدوا أحدا كانوا مثخنين بالجراح ، منهوكي القوى ، يعانون من آلام نفسية وجسدية ما تنهدّ به عرائم الرجال .. ومع هذا ، فقد رأى النبي في هؤلاء المجاهدين ـ على ما بهم من آلام وجراح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت