ممن بقي على الكفر من أقاربهم وأصدقائهم .. إنهم باعوا كل شىء ، وتخلّو عن كل شىء ، إلا إيمانهم باللّه ، ونصرتهم لدين اللّه.
وفى قوله تعالى: « ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ » إشارة إلى أن هذا الذي يجرى في حياة الناس ، من تحول وتبدل ، فيتحول أهل الكفر والضلال إلى الهدى والإيمان ، هو من فضل اللّه ، الذي استنقذ به أولئك الضالين الذين كانوا على شفا حفرة من النار .. وهذا الفضل هو بيد اللّه ، لا يملك أحد منه شيئا « يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ » ويصرفه عمن يشاء .. « وَاللَّهُ واسِعٌ » لا يضيق فضله بأحد ، ولا تنفذ خزائنه بالإنفاق .. « عليم » بمن هم أهل لهذا الفضل ، فخصّهم به ، واجتباهم له .. « يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ » .
قوله تعالى: « إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ » .
.هو دعوة للمؤمنين جميعا ، من دخل في الإسلام ، ومن لم يدخل بعد ، أن تكون ولايتهم ونصحهم للّه ولرسوله وللمؤمنين .. وفى قوله تعالى: « الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ » هو صفة للمؤمنين الذين يطمئن إليهم المؤمن ، ويعطيهم ولاءه ونصحه ، ومحبته.
وفى هذا تحذير للمؤمنين أن ينخدعوا لمن آمن بلسانه ، ولم يدخل الإيمان قلبه ..
ومن آثار الإيمان بالقلب أن يقيم المؤمن الصلاة ، وأن يؤتى الزكاة ..يقيم الصلاة خاشعا ، ويؤدى الزكاة راضيا ، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَهُمْ راكِعُونَ » أي خاشعون ، في غير رياء ، أو استعلاء .. لأنهم في صلاتهم وزكاتهم على عبادة للّه ، وفى حضور بين يديه ، فينبغى أن يعطوا هذا المقام حقّه من الخشوع للّه ، والخضوع بين يديه ، حتى يكونوا في معرض القبول من اللّه ، لصلاتهم وزكاتهم.
قوله تعالى: « وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ » بيان لما تثمره الموالاة للّه ورسوله والمؤمنين ، فإن من يوالى اللّه يكون من حزب اللّه ، ومن كان في حزب اللّه فهو من الفائزين ، لأنه في ضمان اللّه ، وفى جنده الذين لا يغلب أبدا .. « كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ » (21: المجادلة) . [1]
وفي تفسير المنار:
"وَصَفَ اللهُ هَؤُلَاءِ الْكَمَلَةَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِسِتِّ صِفَاتٍ:"
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (3 / 1119)