الغَزْوَةِ ، فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ ، حِينَ اعْتَزَلَهُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ بِثُلُثِ الجَيْشِ ، وَصَارَ يَقُولُ: أَطَاعَ النَّبِيُّ الْوِلْدَان وَمَنْ لاَ رَأَيَ لَهُ ، فَعَلاَمَ نَقْتُلُ أَنْفُسَنَا؟
فالذين يؤمنون باللّه واليوم الآخر إيمانا صادقا لا يطلبون الإذن لأنفسهم بالتخلف عن القتال .. ذلك أنهم ـ مع الأعذار القائمة معهم ـ لا يجعلون من تلك الأعذار حاجزا يحجزهم عن أخذ حظّهم من الجهاد في سبيل اللّه ، فإذا دعا الداعي إلى الجهاد كانوا في مقدمة المستجيبين له. حتى إذا نطقت حالهم عن أنّهم ـ بهذه الأعذار التي معهم ، من مرض ، أو صغر ، أو شيخوخة ، أو نحو هذا ـ لن يمكّنوا من الانتظام في صفوف المجاهدين ، رحمة بهم ، وتخفيفا من مئونتهم على المسلمين ، كان ذلك مما يحزنهم ، ويبعث الحسرة والأسى في نفوسهم. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: « وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ » .
أما الذين في قلوبهم مرض ونفاق ، فإنهم لا يعجزهم العثور على العلل والمعاذير التي يقدّمونها للنبىّ والمسلمين ، لتكون مبررا لتخلفهم عن الجهاد.فهؤلاء هم الذين يجيئون إلى النبىّ بأعذارهم الكاذبة ، ويستأذنونه في التخلف ، كما يقول سبحانه « إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ » .. والريب ، هو الشك والارتياب ، ورابه الأمر ، فارتاب فيه ، أي شك ، ووقع في حيرة وتردد بين الإقدام والإحجام. [1]
وفي تفسير المنار:
"فَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ الْمُؤْمِنِينَ بِاللهِ الَّذِي كَتَبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالَ ، وَالْيَوْمُ الْآخِرُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْأَجْرُ الْأَكْمَلُ عَلَى الْأَعْمَالِ ، وَلَا مِنْ عَادَتِهِمْ أَنْ يَسْتَأْذِنُوكَ أَيُّهَا الرَّسُولُ فِي أَمْرِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ إِذَا عَرَضَ الْمُقْتَضِي لَهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ لَوَازِمِ الْإِيمَانِ الَّتِي لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى الِاسْتِئْذَانِ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (49: 15) وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ شَأْنِهِمْ أَنْ يَسْتَأْذِنُوا فِي الْجِهَادِ بَلْ يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ عِنْدَ وُجُوبِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ لِمَا تَقَدَّمَ آنِفًا ، بَلْ هُمْ يَسْتَعِدُّونَ لَهُ فِي وَقْتِ السِّلْمِ بِإِعْدَادِ الْقُوَّةِ وَرِبَاطِ الْخَيْلِ مَنِ اسْتَطَاعَ ذَلِكَ مِنْهُمْ ، فَهَلْ يَكُونُ مِنْ شَأْنِهِمْ أَنْ يَسْتَأْذِنُوكَ فِي التَّخَلُّفِ عَنْهُ ، بَعْدَ إِعْلَانِ النَّفِيرِ الْعَامِّ لَهُ ؟ كَلَّا ، إِنَّ أَقْصَى مَا قَدْ يَقَعُ مِنْ بَعْضِهِمُ التَّثَاقُلُ وَالْبُطْءُ فِي مِثْلِ هَذَا السَّفَرِ الْبَعِيدِ ."
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: لَا يَسْتَأْذِنُكَ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنُونَ فِي الْقُعُودِ وَالتَّخَلُّفِ كَرَاهَةَ أَنْ يُجَاهِدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَإِنَّ الْجِهَادَ لَا يَكْرَهُهُ الْمُؤْمِنُ الصَّادِقُ الَّذِي يَرْجُو اللهَ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ ، وَيَعْلَمُ أَنَّ عَاقِبَةَ الْجِهَادِ
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (5 / 782)