مِنَ الْيَهُودِ لِأَنَّهُمْ يُسْبِتُونَ، وَاسْتَدَل لِذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَال: هُمْ يُسْبِتُونَ. فَتُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ كَمَا تُؤْخَذُ مِنَ الْيَهُودِ. [1]
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قَبُول الْجِزْيَةِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ:
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تُقْبَل مِنَ الْمُشْرِكِينَ مُطْلَقًا، أَيْ سَوَاءٌ أَكَانُوا مِنَ الْعَرَبِ أَوْ مِنَ الْعَجَمِ، وَلاَ يُقْبَل مِنْهُمْ إِلاَّ الإِسْلاَمُ، فَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا قُتِلُوا. [2]
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29] .فَالآْيَةُ تَقْضِي بِجَوَازِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ خَاصَّةً، وَلاَ دَلاَلَةَ لِلَّفْظِ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. [3]
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:"أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي نَفْسَهُ وَمَالَهُ، إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ". [4]
فَالْحَدِيثُ عَامٌّ يَقْتَضِي عَدَمَ قَبُول الْجِزْيَةِ مِنْ جَمِيعِ الْكُفَّارِ، وَلَمْ يُخَصِّصْ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ إلاَّ أَهْل الْكِتَابِ وَالْمَجُوسَ فَمَنْ عَدَاهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ يَبْقَى عَلَى قَضِيَّةِ الْعُمُومِ، فَلاَ تُقْبَل الْجِزْيَةُ مِنْ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ سَوَاءٌ أَكَانُوا عَرَبًا أَمْ عَجَمًا وَلِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ مِنْ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مُقَدِّمَةٌ (سَابِقَةٌ) مِنَ التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَشَرِيعَةِ الإِسْلاَمِ، فَلاَ حُرْمَةَ لِمُعْتَقَدِهِمْ. [5]
(1) - المغني 8/ 496،وكشاف القناع 3/ 117،والمبدع 3/ 404.
(2) - روضة الطالبين 10/ 305،ومغني المحتاج 4/ 244،وكفاية الأخيار 2/ 133،والمبدع 3/ 405،وكشاف القناع 3/ 118،والمغني 8/ 500،والقوانين الفقهية ص 175،والمحلى 7/ 563.
(3) - أحكام القرآن لألكيا الهراس 4/ 40.
(4) - صحيح البخاري (4/ 48) (2946)
(5) - الغاية القصوى 2/ 955،وأحكام القرآن لابن العربي 2/ 919.