الْبُغَاةُ: هُمُ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ عَلَى التَّأْوِيل وَيَخْرُجُونَ عَلَى الإِمَامِ (العادل) ،أَوْ يَمْتَنِعُونَ عَنِ الدُّخُول فِي طَاعَتِهِ، أَوْ يَمْنَعُونَ حَقًّا وَجَبَ عَلَيْهِمْ كَالزَّكَاةِ وَشِبْهِهَا، فَيُدْعَوْنَ إِلَى الرُّجُوعِ لِلْحَقِّ [1] .
فَإِذَا غَلَبَ أَهْل الْبَغْيِ عَلَى بَلَدٍ وَنَصَبُوا إِمَامًا، فَجَبَى الْجِزْيَةَ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى سُقُوطِ الْجِزْيَةِ عَنْ أَهْل الذِّمَّةِ بِدَفْعِهَا إِلَى الْبُغَاةِ، وَلَكِنْ يَأْخُذُ مِنْهُمْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ. [2]
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ:
بِأَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى أَهْل الْبَصْرَةِ لَمْ يُطَالِبْهُمْ بِشَيْءٍ مِمَّا جُبِيَ مِنْهُمْ.
قَال الشَّافِعِيَّةُ: وَلِأَنَّ حَقَّ الإِمَامِ فِي الْجِبَايَةِ مَرْهُونٌ بِالْحِمَايَةِ، وَهِيَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ عِنْدَ تَغَلُّبِ الْبُغَاةِ عَلَى بَلْدَةٍ مُعَيَّنَةٍ [3] .
وَلِأَنَّ فِي تَرْكِ احْتِسَابِهَا ضَرَرًا عَظِيمًا وَمَشَقَّةً كَبِيرَةً، فَإِنَّ الْبُغَاةَ قَدْ يَغْلِبُونَ عَلَى الْبِلاَدِ السِّنِينَ الْكَثِيرَةَ وَتَتَجَمَّعُ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ مَبَالِغُ طَائِلَةٌ لاَ يُطِيقُونَهَا. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ دَفَعَ الْجِزْيَةَ إِلَى الْبُغَاةِ الإِعَادَةُ، لِأَنَّهُ أَعْطَاهَا إِلَى مَنْ لاَ وِلاَيَةَ لَهُ صَحِيحَةٌ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخَذَهَا آحَادُ الرَّعِيَّةِ غَصْبًا [4] .
الْمُحَارِبُونَ: هُمُ الَّذِينَ يَعْرِضُونَ لِلنَّاسِ بِالسِّلاَحِ فَيَغْصِبُونَ الْمَال مُجَاهَرَةً أَوْ يَقْتُلُونَ أَوْ يُخِيفُونَ الطَّرِيقَ فَإِذَا أَخَذَ الْمُحَارِبُونَ الْجِزْيَةَ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ مَوْقِعَهُ، وَلَمْ تَسْقُطِ الْجِزْيَةُ عَنْهُمْ بِأَدَائِهَا إِلَى الْمُحَارِبِينَ؛ لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْهُمْ كَالْمَأْخُوذِ غَصْبًا. [5]
(1) - القوانين الفقهية ص 393.
(2) - البدائع 9/ 4402،كتاب السير ص 229،القوانين الفقهية ص 394،الأم 4/ 220،مغني المحتاج 4/ 133 الأحكام السلطانية للفراء ص 55،الإنصاف 10/ 318.
(3) - حاشية القليوبي 4/ 234.
(4) - المدونة 1/ 244،مواهب الجليل 2/ 364،الفروق 4/ 171.
(5) - المبدع 9/ 144،الأحكام السلطانية للماوردي ص 63،الأحكام السلطانية للفراء ص 58.