وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَسْقُطُ عَنِ الذِّمِّيِّ الَّذِي أُصِيبَ بِإِحْدَى تِلْكَ الْعَاهَاتِ؛ لِأَنَّهَا لاَ تُعْتَبَرُ مَانِعًا مِنْ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ ابْتِدَاءً.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهَا لاَ تَسْقُطُ عَنِ الذِّمِّيِّ بَعْدَ تَمَامِ الْحَوْل، أَمَّا إِذَا أُصِيبَ بِإِحْدَى الْعَاهَاتِ السَّابِقَةِ أَثْنَاءَ الْحَوْل، فَتَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ، لِأَنَّهَا لاَ تَجِبُ إِلاَّ بِكَمَال الْحَوْل [1] .
عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي مُقَابِل الْجِزْيَةِ تَوْفِيرُ الْحِمَايَةِ لِأَهْل الذِّمَّةِ، وَالذَّبُّ عَنْهُمْ، وَمَنْعُ مَنْ يَقْصِدُهُمْ بِالاِعْتِدَاءِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ، وَاسْتِنْقَاذُ مَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ، وَاسْتِرْجَاعُ مَا أُخِذَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ سَوَاءٌ أَكَانُوا يَعِيشُونَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ أَمْ كَانُوا مُنْفَرِدِينَ فِي بَلَدٍ لَهُمْ. فَإِنْ لَمْ تَتَمَكَّنِ الدَّوْلَةُ الإِسْلاَمِيَّةُ مِنْ حِمَايَتِهِمْ وَالدَّفْعِ عَنْهُمْ حَتَّى مَضَى الْحَوْل، فَهَل يُطَالَبُونَ بِالْجِزْيَةِ أَمْ تَسْقُطُ عَنْهُمْ؟
صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ عَنْ أَهْل الذِّمَّةِ إِذَا لَمْ تَتَمَكَّنِ الدَّوْلَةُ مِنْ حِمَايَةِ الذِّمِّيِّينَ لِأَنَّهُمْ بَذَلُوا الْجِزْيَةَ، لِحِفْظِهِمْ وَحِفْظِ أَمْوَالِهِمْ، فَإِنْ لَمْ تَدْفَعِ الدَّوْلَةُ عَنْهُمْ، لَمْ تَجِبِ الْجِزْيَةُ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الْجِزْيَةَ لِلْحِفْظِ وَذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ، فَلَمْ يَجِبْ مَا فِي مُقَابَلَتِهِ، كَمَا لاَ تَجِبُ الأُجْرَةُ إِذَا لَمْ يُوجَدِ التَّمْكِينُ مِنَ الْمَنْفَعَةِ.
وَلَمْ نَجِدْ لِغَيْرِ الشَّافِعِيَّةِ تَصْرِيحًا بِالسُّقُوطِ إِذَا لَمْ تَحْصُل الْحِمَايَةُ مَعَ قَوْلِهِمْ بِوُجُوبِ الْحِمَايَةِ.
وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ أنه كتب إِلَى كُلِّ وَالٍ مِمَّنْ خَلَّفَهُ فِي الْمُدُنِ الَّتِي صَالَحَ أَهْلَهَا يَأْمُرُهُمْ أَنْ يردوا عَلَيْهِم مَا جبي مِنْهُمْ مِنَ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِمْ أَنْ يَقُولُوا لَهُمْ: إِنَّمَا رَدَدْنَا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ؛ لأَنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا مَا جُمِعَ لَنَا مِنَ الجموع، وَأَنَّكُمُ اشْتَرَطْتُمْ عَلَيْنَا أَنْ نَمْنَعَكُمْ، وَإِنَّا لَا نَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ رَدَدْنَا عَلَيْكُمْ مَا أَخَذْنَا مِنْكُمْ
(1) - حاشية ابن عابدين 4/ 200،والاختيار 4/ 138،شرح المحلي 4/ 230،والشرح الكبير على هامش حاشية الدسوقي 2/ 201،ومنح الجليل 1/ 757،الخراج لأبي يوسف ص 123،والأحكام السلطانية للماوردي ص 145،وكشاف القناع 3/ 122.