فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 202

وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّ الْوَاجِبَ دِينَارٌ عَلَى الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ وَالْمُتَوَسِّطِ بِأَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَدَّرَهَا بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ، وَجَعَلَهُمْ ثَلَاثَ طَبَقَاتٍ، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ مِنِ اجْتِهَادِ عُمَرَ.

وَنَازَعَهُ الْجُمْهُورُ فِي ذَلِكَ وَقَالُوا: لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَبَيْنَ مَا فَعَلَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَلْ هُوَ مِنْ سُنَّتِهِ أَيْضًا، وَقَدْ قَرَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَ سُنَّتِهِ وَسُنَّةِ خُلَفَائِهِ فِي الِاتِّبَاعِ فَمَا سَنَّهُ خُلَفَاؤُهُ فَهُوَ كَسُنَّتِهِ فِي الِاتِّبَاعِ، وَهَذَا الَّذِي فَعَلَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اشْتَهَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ، وَلَا خَالَفَهُ فِيهِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَلْبَتَّةَ، وَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ عَمَلُ الْخُلَفَاءِ وَالْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَطَأً أَصْلًا.

وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْعَمَلِ بِهِ فَقَالَ: الْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ دِينَارٌ لَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الذِّمِّيُّ مُقِلًّا وَلَمْ يَكُنْ مُوسِرًا وَلَا مُتَوَسِّطًا عَقَدَ لَهُ الْإِمَامُ الذِّمَّةَ عَلَى دِينَارٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَإِنْ كَانَ مُتَوَسِّطًا فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ لَهُ الْإِمَامُ: جِزْيَةُ مِثْلِكَ دِينَارَانِ، فَلَا أَعْقِدُ لَكَ ذِمَّةً عَلَى أَقَلَّ مِنْهُمَا، وَيَحْمِلُ عَلَيْهِ بِالْكَلَامِ فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ حَمَلَ عَلَيْهِ بِعَشِيرَتِهِ وَأَهْلِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ وَأَقَامَ عَلَى بَذْلِ الدِّينَارِ قُبِلَ مِنْهُ وَعُقِدَتْ لَهُ الذِّمَّةُ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَالَ لَهُ: جِزْيَةُ مِثْلِكِ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ لَا أَقْبَلُ مِنْكَ أَقَلَّ مِنْهَا، وَيَتَحَامَلُ عَلَيْهِ بِالْكَلَامِ وَيَحْمِلُ عَلَيْهِ بِعَشِيرَتِهِ وَقَوْمِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَأَقَامَ عَلَى بَذْلِ الدِّينَارِ قُبِلَ مِنْهُ وَعُقِدَتْ لَهُ الذِّمَّةُ عَلَيْهِ.

قُلْتُ: وَلَا يَخْلُو حَدِيثُ مُعَاذٍ مِنْ أَحَدِ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ:

الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ أَمَرَهُ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى أَهْلِ ذِمَّةِ الْيَمَنِ إِذْ ذَاكَ الْفَقْرُ، وَقَدْ أَشَارَ مُجَاهِدٌ إِلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: إِنَّمَا جُعِلَ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا مِنْ أَجْلِ الْيَسَارِ.

الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ أَقَرُّوا بِالْجِزْيَةِ، وَلَمْ يَتَمَيَّزِ الْغَنِيُّ مِنْهُمْ مِنَ الْفَقِيرِ، وَالصَّحَابَةُ إِذْ ذَاكَ لَمْ يَسْكُنُوا الْيَمَنَ بَلْ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - إِذْ هُوَ حَيٌّ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَلَمَّا لَمْ يَتَفَرَّغُوا لِتَمْيِيزِ غَنِيِّهِمْ مِنْ فَقِيرِهِمْ جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْجِزْيَةَ كُلَّهَا طَبَقَةً وَاحِدَةً،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت