وَالاِتِّجَاهُ الآْخَرُ: مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ أَنَّ الْجِزْيَةَ تُسْتَوْفَى مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ بِإِهَانَةٍ وَإِذْلاَلٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29] . [1]
وعَنْ أَبِي صَخْرٍ الْمَدَنِيِّ، أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ سُلَيْمٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ ثَلَاثِينَ، مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ آبَائِهِمْ دِنْيَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهَدًا أَوِ انْتَقَصَهُ أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِإِصْبُعِهِ إِلَى صَدْرِهِ «أَلَا وَمَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ رِيحَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ سَبْعِينَ عَامًا» [2]
وعَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِيِّ، قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، اذْهَبْ إِلَى أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَقُلْ: يَقْرَأُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ عَلَيْكِ السَّلاَمَ، ثُمَّ سَلْهَا، أَنْ أُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيَّ، قَالَتْ: كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي فَلَأُوثِرَنَّهُ اليَوْمَ عَلَى نَفْسِي، فَلَمَّا أَقْبَلَ، قَالَ: لَهُ مَا لَدَيْكَ؟ قَالَ: أَذِنَتْ لَكَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، قَالَ:"مَا كَانَ شَيْءٌ أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ المَضْجَعِ، فَإِذَا قُبِضْتُ فَاحْمِلُونِي، ثُمَّ سَلِّمُوا، ثُمَّ قُلْ: يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، فَإِنْ أَذِنَتْ لِي، فَادْفِنُونِي، وَإِلَّا فَرُدُّونِي إِلَى مَقَابِرِ المُسْلِمِينَ، إِنِّي لاَ أَعْلَمُ أَحَدًا أَحَقَّ بِهَذَا الأَمْرِ مِنْ هَؤُلاَءِ النَّفَرِ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، فَمَنِ"
(1) - انظر: الاختيار 4/ 139،حاشية ابن عابدين 4/ 201،المنتقى 2/ 17،حاشية الخرشي 3/ 145،روضة الطالبين 10/ 315،مغني المحتاج 4/ 249،كفاية الأخيار 2/ 135،كشاف القناع 3/ 123،المبدع 3/ 412،الإنصاف 4/ 229،نهاية الرتبة في طلب الحسبة ص 107،معالم القربى ص 99،منح الجليل 1/ 759،جامع البيان 10/ 77 - 78،زاد المسير 3/ 421.
(2) - الأموال لابن زنجويه (1/ 379) (621) صحيح
(مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا) : بِكَسْرِ الْهَاءِ أَيْ: ذِمِّيًّا، أَوْ مُسْتَأْمَنًا (أَوِ انْتَقَصَهُ) أَيْ: نَقَصَ حَقَّهُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: عَابَهُ لِمَا فِي الْأَسَاسِ اسْتَنْقَصَهُ وَانْتَقَصَهُ عَابَهُ اهـ. وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ ; لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ فِي الْمَعْنَى مِنَ الْمَنْهِيَّاتِ الشَّرْعِيَّةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: نَقَضَ الْأَجَلَ الْمَضْرُوبَ لِأَمْنِهِ وَأَمَانَهِ (أَوْ كَلَّفَهُ) أَيْ: فِي أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، أَوِ الْخَرَاجِ (فَوْقَ طَاقَتِهِ) : بِأَنْ أَخَذَ مِمَّنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ عَلَى مَا سَبَقَ، أَوْ أَخَذَ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَطِيقُ، أَوْ فَوْقَ نِصْفِ الْعُشْرِ مِنْ مَالِ تِجَارَتِهِ إِنْ كَانَ ذِمِّيًّا. وَفَوْقَ عُشْرِ مَالِ تِجَارَتِهِ إِنْ كَانَ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا (أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ) : تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، أَوْ تَقْيِيدٌ وَتَأْكِيدٌ (فَأَنَا حَجِيجُهُ) أَيْ: خَصْمُهُ وَمُحَاجُّهُ وَمُغَالِبُهُ بِإِظْهَارِ الْحُجَجِ عَلَيْهِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2625)