فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 202

وعَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ يَأْخُذُ الْجِزْيَةَ مِنْ كُلِّ ذِي صَنَعٍ، مِنْ صَاحِبِ الْأَبَرِ أَبَرٌ، وَمِنْ صَاحِبِ الْمَسَالِّ مَسَالٌّ، وَمِنْ صَاحِبِ الْحِبَالِ حِبَالٌ، ثُمَّ يَدْعُو الْعُرَفَاءَ فُيُعْطِيهِمُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، فَيَقْسِمُونَهُ، ثُمَّ يَقُولُ: «خُذُوا هَذَا فَاقْتَسِمُوهُ» ،فَيَقُولُونَ: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِ فَيَقُولُ: «أَخَذْتُمْ خِيَارَهُ وَتَرَكْتُمْ عَلَيَّ شِرَارَهُ، لِتُحْمَلَنَّ» .

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَإِنَّمَا تُوُجِّهَ هَذَا مِنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يَأْخُذُ مِنْهُمْ هَذِهِ الْأَمْتِعَةَ بِقِيمَتِهَا مِنَ الدَّرَاهِمِ الَّتِي عَلَيْهِمْ مِنْ جِزْيَةِ رُءُوسِهِمْ، وَلَا يَحْمِلُهُمْ إِلَى بَيْعِهَا، ثُمَّ يَأْخُذُ ذَلِكَ مِنَ الثَّمَنِ إِرَادَةَ الرِّفْقِ بِهِمْ، وَالتَّخْفِيفِ عَنْهُمْ، وَهَذَا مِثْلُ حَدِيثِ مُعَاذٍ حِينَ قَالَ: بِالْيَمَنِ: ائْتُونِي بِخَمِيسٍ أَوْ لَبِيسٍ آخُذُهُ مِنْكُمْ مَكَانَ الصَّدَقَةِ؛ فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ، وَأَنْفَعُ لِلْمُهَاجِرِينَ بِالْمَدِينَةِ. وَكَذَلِكَ فَعَلَ عُمَرُ حِينَ كَانَ يَأْخُذُ الْإِبِلَ فِي الْجِزْيَةِ [1]

وقال ابن القيم رحمه الله: [الْأَصْنَافُ الَّتِي تُؤْخَذُ مِنْهَا الْجِزْيَةُ]

"وَلَا يَتَعَيَّنُ فِي الْجِزْيَةِ ذَهَبٌ وَلَا فِضَّةٌ، بَلْ يَجُوزُ أَخْذُهَا مِمَّا تَيَسَّرَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مِنْ ثِيَابٍ وَسِلَاحٍ يَعْمَلُونَهُ، وَحَدِيدٍ وَنُحَاسٍ وَمَوَاشٍ وَحُبُوبٍ وَعُرُوضٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ."

وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَعَمَلُ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ.

وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، وَقَدْ سَأَلَهُ: يُؤْخَذُ فِي الْجِزْيَةِ غَيْرُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، دِينَارٌ أَوْ قِيمَتُهُ مَعَافِرَ. وَالْمَعَافِرُ ثِيَابٌ تَكُونُ بِالْيَمَنِ.

وَذَهَبَ فِي ذَلِكَ إِلَى حَدِيثِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، الَّذِي رَوَاهُ فِي"مُسْنَدِهِ"بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ «عَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عَدْلَهُ مَعَافِرَ» .وَرَوَاهُ أَهْلُ"السُّنَنِ"، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.

وَكَذَلِكَ أَهْلُ نَجْرَانَ لَمْ يَأْخُذْ فِي جِزْيَتِهِمْ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً وَإِنَّمَا أَخَذَ مِنْهُمُ الْحُلَلَ وَالسِّلَاحَ.

فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي"سُنَنِهِ"عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: «صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَهْلَ نَجْرَانَ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ، النِّصْفُ فِي صَفَرٍ وَالنِّصْفُ فِي رَجَبٍ يُؤَدُّونَهَا إِلَى

(1) - الأموال لابن زنجويه (1/ 167) (175) حسن لغيره

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت